فهرس الكتاب

الصفحة 6680 من 27345

لو كان الأمر يتوقف على الحل الصوري ، لجاز أن أقول إن الوصفين:"الجماعة"و"المنازعة"يتواردان على موضوع"الحوار"باعتبارين مختلفين ، فلا يتعارضان: إذ يتقوم الحوار باعتبار عدد الأفراد الذين ينهضون به ، - وهو اعتبار كمي - ، ويتقوم بالمنازعة باعتبار نوع العلاقة التي تقوم بينهم - وهو اعتبار كيفي - ، وواضح أن الكم والكيف لا يتدافعان ، بحيث يصح أن تقوم الجماعة ويقوم النزاع بين أفرادها .

لكن هذا الحل الصوري -على وجاهته- يفترض التسليم المسبق بمبدأ بطلان الجمع بين المتعارضين ، هذا المبدأ الذي رسخ في العقول منذ زمن بعيد ( أرسطو) كما يفترض ثبوت التعارض بين"المنازعة"و"الجماعة"في الممارسة الحوارية كما يثبت في غيرها ، وهما افتراضان اثنان يجوز للواحد منا أن يعترض عليهما ، فقد يشكك في صحة مبدأ عدم الجمع بين المتعارضين ، وليست بي حاجة هاهنا إلى الاشتغال بهذا التشكيك ، لذلك ، أسلم بصحة هذا المبدأ ، كما قد نشكك في وجود تعارض بين"المنازعة"و"الجماعة"كما هما متحققان في الممارسة الحوارية ولو أنهما يتعارضان في غيره ، وهذا التشكيك الثاني بالذات هو الذي يمكن من رفع الإشكال المطروح ؛ لذا يتعين أن أبين كيف أن اجتماع"المنازعة"و"الجماعة"في الحوار ليس أمرا محالا ولا مردودا ، وإنما هو أمر ممكن ومقبول معا .

ولبيان ذلك ، أتخير نوعا متميزا في أنواع الحوار الاختلافي ، إذ تضرب جذوره بعيدا في تاريخ الفكر الإسلامي خصوصا ، وهو ما يسميه منظرو الحوار المعاصرون ب"الحوار النقدي"او"الحوار العقلي"أو"الحوار الإقناعي"، وقد أسميه كذلك ب"الحوار الاعتراضي"، وقد سماه علماء المسلمين من قبل ب"المناظرة"وأضع له التعريف التالي:

"الحوار النقدي"هو الحوار الاختلافي الذي يكون الغرض منه دفع الانتقادات أو الاعتراضات التي يوردها أحد الجانبين المتحاورين على رأي أو دعوى الآخر بأدلة معقولة ومقبولة عندهما معا .

ولنضرب له مثالا من أحداث الساعة .

زيد: أرى أن المغرب على مشارف عهد جديد ؟

عمرو: لا أدري إن كان الأمر كما ترى.

زيد: أليس التناوب السياسي والملكية الجديدة من معالم مغرب جديد

عمرو: بلى .

فواضح أن زيدا هو صاحب الدعوى ، وهي:"المغرب على مشارف عهد جديد"وأن عمرًا هو صاحب الاعتراض ، إذ يشكك في صدقها كما لو أنه قال لزيد:"لا أسلم لك ما تدعيه"، وحينئذ تقوم بينهما منازعة في الرأي ، فيتعين إذ ذاك على زيد أن يتولى دفع الاعتراض بإقامة الدليل على دعواه ، ودليله هو:"وجود التناوب مع تجدد الملكية"، الذي قبله المعترض .

وبعد هذا التعريف للحوار النقدي والتمثيل عليه ، أشرع الآن في توضيح كيف أن عنصري"الجماعة"و"المنازعة"في الحوار النقدي يتوافقان ، وأقوم بهذا التوضيح من خلال النظر في مقابلات ثلاث .

1-المقابلة بين الاختلاف النقدي والعنف

قد نميز في العنف الممكن حصوله في نطاق الحوار بين قسمين اثنين: أحدهما ، العنف أشد ، وقد يسمى ب"القمع"، والمقصود به إنهاء الاختلاف بين المتحاورين بواسطة القوة ، فمعلوم أنه لاشيء يضاد الحجة مثل القوة ، فحيث لا يوجد البرهان لا يمكن أن يوجد إلا السلطان ، وحيث لا يوجد الحوار لا يمكن أن يوجد إلا الحصار ، والعنف الأشد هو نفسه على ضربين اثنين: فهناك العنف المادي الذي تستخدم فيه قوة اليد - أو قل تستخدم فيه المقمعة ( أو المقرعة ) - لإلحاق الأذى الخلقي بالغير ، وهناك أيضا العنف المعنوي الذي تستخدم فيه قوة اللسان لإلحاق الضرر الخلقي بالغير ، والقسم الثاني ، العنف الأخف ، وأسميه ب"الحسم"، والمقصود به هو فض الاختلاف بواسطة تحكيم جانب ثالث ، حكما كان أو حكما أو وسيطا أو باللجوء إلى الحل الوسط أو بإجراء القرعة ، فلما كانت نهاية الاختلاف لا تأتي على يد المتنازعين نفسيهما بفضل أدلتهما الخاصة ، وإنما على يد طرف ثالث سواهما أو بطريق غير تدليلي ، فإن ذلك يشعرهما بأنهما غير قادرين على تحمل مسؤوليتهما في رفع الاختلاف بينهما ، وفي هذا المعنى من التأديب لهما ما هو أشبه بالتعنيف ، إلا أنه - إن جاز هذا التعبير - عنف فيه لطف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت