فهرس الكتاب

الصفحة 6681 من 27345

أما الاختلاف في الرأي داخل دائرة الحوار النقدي ، فلا يندفع أبدا بواسطة"القمع"بل إن ممارسة القمع قد تزيد في حدة الاختلاف ، حتى لا سبيل إلى الخروج منه ؛ لأن الطريق الموصل إلى هذا الخروج إنما هو طريق الاقتناع ، فكل واحد من المتحاورين يسعى إلى أن يقتنع الآخر برأيه اقتناعا منبعثا من إرادته ، لا محمولا عليه بإرادة غيره ، فالإقناع والإقماع ضدان لا يجتمعان ، كما أن هذا الاختلاف لا يندفع بواسطة الحسم ، لأن أحد المتحاورين على الأقل قد يجد في نفسه حرجا مما حسم به ، فلا يسلم ، وإنما الذي يندفع به هو ، على العكس من ذلك ، ارتفاع الحرج والإقرار بالصواب الذي ظهر على يد محاوره ، وهو بالذات مقتضى"الإذعان"، وعلى هذا ، فالحسم لا ينفع في تحصيل الإذعان الضروري للخروج من الاختلاف .

ومن هنا ، يتضح أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف ، قمعا كان أو حسما ؛ لأن المعنف لابد أن ينتهي به الأمر ، إما إلى أن يهلك أو أن ينشق أو أن يتآمر ، وفي كل واحدة من هذه الأحوال الثلاث يتسبب في خلخلة الجماعة ، زيادة أو نقصانا ، أما المنازعة التي ينبني عليها الحوار ، فإنها توافق الجماعة كل موافقة وتقويها أيما تقوية ، إذ تقضي بأن تقوم علاقات التعامل فيها ، من جهة ، على فعل الإقناع الذي يحمل تمام الاعتبار لذات الغير ، ومن جهة ثانية ، على فعل الإذعان الذي يحمل تمام الاعتبار للصواب ، ولابد لمثل هذه المنازعة أن تكون خادمة للجماعة بما يورثها مزيدا من التماسك في البنية الجامعة والتناصح في المصلحة العامة ، ولولا أني أنفر مما تجتره الألسن تحت ضغط الإعلام ، لقلت:"يكسبها مزيدا من الشفافية".

2-المقابلة بين الاختلاف النقدي والخلاف

معلوم أن الرأي رأيان: رأي يبنيه صاحبه على دليل أو حجة من عنده ، - أي يكون رأيا مدللا تدليلا ذاتيا - ورأي لا يثنيه صاحبه على دليل من عنده - أي يكون رأيًا تحكميا - ، والرأي التحكمي على ضربين: رأي مبني على التقليد ورأي مبني على التشهي ، أما الرأي المقلد ، فهو الذي يتسول فيه صاحبه بدليل هو لغيره أو يورده بغير هذا الدليل ، مكتفيا بمضمونه مجردا ، ومعولا في ذلك على قدرة من يقلد ( أي إمامه ) في إمداده بهذا الدليل متى شاء ، وأما الرأي المتشهي فهو الذي لا يتوسل فيه صاحبه لا بدليل لغيره ، ولا بالأولى بديل من عنده .

ومقتضى الخلاف أن يكون تنازعا في الآراء التحكمية ، فإن كان في آراء مقلدة ، فهو تنازع لا اجتهاد فيه ؛ لأن مبنى الاجتهاد أساسا على اختراع الدليل ، وإن كان في آراء متشهية ، فإنه تنازع لا تعقل معه ، لأن مبنى التعقل أساسا على الاشتغال بالتدليل ، أما مقتضى الاختلاف أن يكون تنازعا في الآراء المدللة ذاتيا لا تشهي فيه ولا تقليد ، فيثبت له الوصفان معا: التعقل والاجتهاد ، وعلى هذا ، فإذا كان الخلاف يحصل بين الجلاء والمقلدين ، فإن الاختلاف ، على نقيضه ، يحصل بين العقلاء والمجتهدين .

وإذا تقرر هذا ، تبين أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضرها إنما هي تنازع الخلاف ، أما تنازع الاختلاف ، فإنه يوافق الجماعة كل موافقة وينفعها أيما منفعة ، إذ يوجد أن تقوم علاقات التعامل فيها ، من جهة ، على مقتضيات العقل التي تحدد للمتنازعين أدوارهم ، ومن جهة ثانية ، على مقتضيات الاجتهاد التي تضمن لهم مواجهة أطوار حياتهم ، فمثل هذا التنازع - تنازع الاختلاف - لابد أن يكون بانيا للجماعة ، فيتعين لا حفظ وجوده فحسب ، بل أيضا تقوية أسبابه .

3 -المقابلة بين الاختلاف النقدي والفرقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت