فهرس الكتاب

الصفحة 6682 من 27345

ذلك أن الافتراق داخل دائرة الجماعة قد يكون بمعنيين اثنين ، أحدهما ، التفاوت بين الأفراد ، والمراد به هنا تمتع بعض الأشخاص بامتيازات وحظوظ وسلط تؤدي إلى محو المساواة بين عناصر الجماعة ، بما يكون منه انتشار مظاهر التخلخل في بنائها ، والمعنى الثاني ، الانشقاق في الصفوف ، والمراد به - كما هو معروف - تصدع صرح الجماعة ، بحيث يذهب كل عنصر منها إلى وجهة مخصوصة ، معتقدا ما لا يعتقده غيره وقائلا بما لا يقول به ، وقد ينجم هذا الانشقاق عن أسباب أخرى غير عدم المساواة ، مثل الأزمات الاقتصادية والتصارعات على السلطة والفتن الاجتماعية والمفاسد الأخلاقية . أما الاختلاف في الرأي الذي هو مدار الحوار النقدي ، فلا يمكن أن يفضي إلى"التفاوت"لأن قوانين الحوار النقدي تجري على الداخلين فيه ، كائنا ما كانا ، بالسوية ، ولاشيء يستحق أن يتميز في علاقاتهما الحوارية إلا الصواب الذي يكونان قد توصلا إليه ، وحتى إذا ظهر هذا الصواب على يد أحدهما ، فلا يجيز له ذلك أن يدعي الاختصاص به ، لأن الاتفاق جرى مع الحوار في البداية بأن يطلبا معا الوقوف عليه ، فيكون الوصول إليه مشتركا بينهما ، ثم لأن ابتدار المحاور إلى قبول الصواب يجعل علاقته به ، إن قولا أو فعلا ، لا تختلف عن علاقة صاحبه به وعلى هذا ، فإن الحوار لا يفرق أبدا بين المتحاورين ، بل يسوي بينهما على الوجه الأتم .

كما أنه لا يمكن لهذا الاختلاف أن يتولد منه"الانشقاق"، لأن الغرض الأول الذي اجتمع عليه المتحاورون هو رفع حالة الاختلاف في رأيهما ، وحفظ هذا الغرض أثناء ممارسة لا محالة أنه يِؤدي إلى إحدى الحالات الثلاث: إما الظفر الفعلي بالصواب المطلوب أو تمحيص الطرق التي يتحمل أن، توصل إليه أو زيادة المعرفة برأي الجانب الآخر ، ولا مراء في أن كل واحدة من هذه الحالات تسهم في محو الافتراق الذي بدأ في الآراء وفي جمع العقول على رأي واحد ، بحيث يكون الحوار النقدي أداة تجميع للآراء ، لا أداة تفريق لها كما يتوهم .

وبهذا ، يتبين أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتنسفها إنما هي المنازعة التي تنبني على التفرقة الراجعة إلى انتفاء المساواة بين الأفراد أو إلى انتشار أسباب الانشقاق الأخرى في المؤسسات الجماعية ، أما المنازعة الحوارية ، فإنها تلائم الجماعة كل ملاءمة وتخدمها أيما خدمة ، إذ تقضي بأن تقوم علاقات التعامل فيها ، على مقتضى المساواة في الحقوق والواجبات بين أفرادها من جهة، وعلى مقتضى طلب جمعهم على الرأي الصائب من آرائهم منه جهة أخرى، وعليه فلا يمكن أن، تكون الجماعة التي تأخذ بالمنازعة الحوارية إلا جماعة"ديموقراطية"صريحة ، ولا شك أن منازعة كهذه توطد أركان الجماعة بما قد تضاهي فيه ضدها - أي الموافقة - هذا إذا لم تجاوزه في ذلك درجة متى وضعنا في الاعتبار أن الأمر المتنازع فيه يكون موضع اجتهاد ، بينما الأمر المتفق عليه يكون موضع تقليد ، وفضل الاجتهاد على التقليد في تقوية الشعور بالالتزام والمسؤولية يكاد يكون بداهات من بديهات العقل .

ثالثا: ضوابط الحوار الاختلافي

لقد وضح لنا كيف أن الصورة النزاعية للاختلاف في الحوار النقدي لا تتعارض مطلقا مع الصورة الجماعية التي ينطوي عليها هذا الحوار ، وقد تناول هذا التوضيح وجوها تعارضية ثلاثة هي"التعارض بين الاختلاف والعنف"و"التعارض بين الاختلاف والخلاف"و"التعارض بين الاختلاف والتفرق"، وإذا كان الحوار النقدي يتصف بهذه الميزة الوفاقية المثلى ، فذلك لأنه ينضبط بمبادئ تصرف عن الاختلاف في الرأي - الذي هو مداره - الآفات التي تمثلها أضداده المذكورة ، أي"العنف"و"الخلاف"و"الفرقة"، ويبقى أن أبين أصول الضوابط الحوارية ، فأقسمها إلى أقسام ثلاثة ، وهي:"الضوابط الصارف للعنف"و"الضوابط الصارف للخلاف"و"الضوابط الصارف للفرقة".

واعتبارا للمبدأ الذي تبيناه من قبل وهو أن حقيقة الكلام إنما هي حقيقة حوارية ، فإني أورد لهذه الضوابط صيغتين اثنتين ، إحداهما عامة يجري مقتضاها على الكلام بوجه عام ولا أخوض فيها هاهنا ، والثانية خاصة يجري مقتضاها على الحوار بوجه خاص ، وهي التي أبسط القول فيها .

1-الضوابط الصارفة لآفة العنف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت