وضع ميللر خليطًا من الأمونيا والميثان وبخار الماء في جهازه ثم مرر شرارة كهربائية في هذا الخليط مدة أسبوع واحد، وجمع ناتج التفاعل في المصيدة Trap الموجودة في أسفل الجهاز. كان الناتج عبارة عن بعض الأحماض الأمينية مع بعض المركبات البسيطة الأخرى. صفق العديد من علماء التطور وابتهجوا بنتائج هذه التجربة وعدوها دليلًا على أن الخلية الحية الأولى ظهرت بهذه الطريقة؛ أي ظهرت نتيجة إفراغ الشحنات الكهربائية للبروق في الخليط الغازي للغلاف الجوي للأرض في مرحلتها الأولى من عمرها.ولكن علماء آخرين عارضوا هذا الرأي وقالوا إن هذه التجربة لا تبرهن على شيء واستندوا في هذا إلى الأسباب الآتية:
1 أن عدد الأحماض الأمينية الناتجة من التجربة قليل ولا يكفي أبدًا لتشكيل وتكوين الخلية الحية الأولى، إذ يجب توافر جميع الأحماض الأمينية اللازمة لتكون الخلية الحية، وهي أضعاف هذا العدد.
2 إضافة إلى توافر العدد والنوعية الضرورية للأحماض الأمينية يجب توافر مركبات ضرورية أخرى لا يمكن الاستغناء عنها مثل السكر والبيرورين Purines... الخ. بينما لم تتكون ولم تظهر هذه المركبات الضرورية كنواتج للتجربة. كما يجب وجود تراكيب combinations وسلاسل لهذه المركبات في الجزيئات الكبيرة كالبروتينات والكاربوهيدرات وD.N.A. وR.N.A وكذلك ظهور البنية المعقدة جدًا للخلية الحية التي تستطيع التكاثر ذاتيًا. وكل هذه الشروط غير موجودة في ناتج التجربة.
3 استعان ميللر للحصول على هذه النواتج في تجربته بوضع المحبس أو المصيدة Trap في أسفل جهازه لتجميع نواتج التفاعلات. وهذا الجزء من الجهاز جزء حيوي جدًا، لأنه يحفظ هذه النواتج من عمليات التحلل بواسطة مصدر الطاقة، أي بواسطة الشرارة الكهربائية، لأن الطاقة التي كونت هذه النواتج والمركبات تقوم أيضًا بتحليل وتدمير هذه المركبات بعد مدة. والمحبس هو الذي يحفظ المركبات من التحلل مرة ثانية. ولكن لا يوجد في الطبيعة من يقوم بمثل هذه المهمة؛ أي أن هذه المركبات لا تجد فرصة في الطبيعة لكي تتراكم وتتجمع تمهيدًا للخطوة الثانية من التطور.
4 الاعتراض الأخير أو المشكلة الأخيرة في هذه التجربة، أنه بجانب تشكل مركبات مفيدة (كالأحماض الأمينية) وضرورية للحياة، تتشكل وتنتج مواد أخرى قاتلة وهادمة للحياة. فمثلًا لا تظهر السلاسل الصغيرة من الأحماض الأمينية العسراء short chain left handed المفيدة فحسب، بل تظهر أيضا وبكميات أكبر السلاسل الطويلة من الأحماض الأمينية ذات الأيدي اليمنى (long chain and right - handed) الضارة. وظهور هذه الأحماض الأمينية الضارة والقاتلة لا يدع أي مجال للحياة. وهكذا شاهدت الأوساط العلمية فشل تجربة ميللر في تفسير نشوء الحياة، واعترف ميللر نفسه بعد سنوات بهذا.
تجربة سيدني فوكس
بعد سنوات تجددت آمال التطوريين بالتجربة التي قام بها سيدني فوكس Sidney Fox ، فقد استطاع فوكس الحصول على جزيئات شبيهة بالبروتينات من تسخين حامض أميني نقي وجاف إلى درجة 180150م لمدة (4 6) ساعات، لأنه كان يرى احتمال وقوع مثل هذا التفاعل بالقرب من حافات البراكين.
ثم أذاب ما حصل عليه في ماء حار، وترك المحلول ليبرد فلاحظ تكون كريات صغيرة (microspheres) من جزيئات شبيهة بالبروتينات (protein- like molecules) . وبدا أن هذه الكريات الصغيرة لها قابلية النمو والتبرعم، مما شجع فوكس على الاعتقاد بأنه ربما عثر على الطريقة التي تشكلت بها الخلية الحية الأولى.
ومع أن بعض علماء التطور صفقوا لهذه التجربة وعدوها مفتاحًا لإيضاح ظهور الخلية الحية الأولى إلا أن معظم العلماء أبدوا شكوكهم حول التجربة وحول وجود أي علاقة لها بظهور الخلية الحية الأولى. وكان ميللر من أوائل المعترضين فقد صرح هو ومعه لسلي أورجل Leslie Orgel بما يأتي:
أي:"إن كانت هناك أماكن مساعدة لتشكل مثل هذه البوليمرات، تبقى هناك مع هذا ضرورة لإيضاح وبيان كيف جُلبت الأحماض الأمينية إلى قرب الحمم البركانية، وكيف نقلت الببتيدات من هناك بشكل كفؤ".
وقال العالم البيولوجي الأمريكي إن الجزيئات الشبيهة بالبروتينات التي حصل عليها فوكس في هذه التجربة تقضي على كل أثر للحياة.