قول ابن صلاح في فتاويه:[ الكبيرة كل ذنب عظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ، ويوصف بكونه عظيمًا على الإطلاق ، ولها أمارات منها: إيجاب الحد .
ومنها: الإيعاد عليه بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة .
ومنها: وصف فاعلها بالفسق .
ومنها: اللعن ].
وقال البارزي: [ والتحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة ، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد ، أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها ] .
واعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط ، وإلا فهي ليست بحدود جامعة وكيف يمكن ضبط ما لا طمع في ضبطه ] الزواجر 1/17-19 .
والذي عليه أكثر أهل العلم أن كبائر الذنوب كثيرة ، وليست محصورة في عدد معين ، وإن ذكر في بعض الأحاديث عددها ، فليس المراد الحصر ، فمن ذلك ما ورد في الحديث ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا ، الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور ، وكان رسول الله متكئًا فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت ) رواه البخاري ومسلم .
وعن أنس بن مالك رضي االله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: ( الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قال قول الزور ، أو قال شهادة الزور ) رواه مسلم .
وعن أبي هريرة رضي االله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل يا رسول الله وما هن ؟ قال:الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) رواه البخاري ومسلم .
قال الإمام النووي: [ وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( الكبائر سبع ) فالمراد به من الكبائر سبع، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم ، فهي مخصوصة بلا شك ، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع وفي الأخرى ثلاث ، وفي الرواية الأخرى أربع ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى ، وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض ] شرح النووي على صحيح مسلم 1/264 .
ويؤيد عدم انحصار الكبائر في سبع ، أو ثلاث ، أو أربع ، ما ورد عن ابن عباس رضي االله عنه ، أنه لما سئل عن الكبائر أسبعٌ هي ؟ فقال: هي إلى سبعين أقرب .
وقال سعيد بن جبير: [ قال رجل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار ] . انظر تفسير القرطبي 5/159 .
وهذا هو الراجح إن شاء الله ، وهو أن الكبائر ليست محصورة في عدد معين ، وقد ذكر الإمام ابن حجر المكي يرحمه الله عددًا كبيرًا من الذنوب التي تعد من الكبائر وساق الأدلة على ذلك فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابه القيم الزواجر عن اقتراف الكبائر .
ثانيًا: توضيح المراد بحقوق الله وحقوق العباد:
قسم جمهور الفقهاء والأصوليين الحق باعتبار صاحب الحق إلى أربعة أقسام وهي:
أولًا: حق الله تعالى ويسمى الحق العام:
وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه ، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد ، ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه كما قاله ابن نجيم الحنفي في فتح الغفار 3/59 .
وحق الله تعالى يشمل الإيمان به جلَّ جلاله ، والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وإقامة الحدود والكفارات وغير ذلك . انظر الفروق 1/140-141 ، أصول الفقه لأبي زهرة ص 323 - 326 ، نظرية الحكم القضائي ص 239-242 ، الفقه الإسلامي وأدلته 4/13-15 ، الموسوعة الفقهية 18/14-19 .
ثانيًا: حق العبد المحض:
وهو ما كان متعلقًا بمصالح الإنسان الخالصة ، قال القرافي: [ وحق العبد مصالحه ] الفروق 1/140 .
وحق العبد المحض يشمل الحقوق المالية ، قال الشيخ محمد أبو زهرة: [ حقوق العباد الخالصة وذلك كالديون والأملاك وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلًا وبقاءً ، فهذه كلها حقوق العباد خالصة والاعتداء على حقوق العباد ظلم ، ولا يقبل الله تعالى توبة عبد قد أكل حقًا من حقوق العباد إلا إذا أداه أو أسقطه صاحبه وعفا ] أصول الفقه ص324 .
وحق العبد يقبل الإسقاط ، فإذا أسقط إنسان حقًا له على غيره فله ذلك ، قال القرافي: [ ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط ] الفروق 1/141 .
ثالثًا: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب:
ومثاله حد القذف فهو من جهة أن فيه مسًا بأعراض الناس علنًا فهو حق لله تعالى ، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه فهو حق له ولكن حق الله غالب فيه .