ولن يفوتنا أن نذكر بوقف لمحمد ناصر كان ضربًا من الإنقاذ العام لأندونيسية جميعًا ذلك أن المفاوضات التي سبق أن دارت بين هولندة وممثلي الأندونيسيين عام 1945 قد استقرت على قيام عدة دويلات في رباط فيدرالي . ولكن هذا الترتيب قد جوبه بانتفاضات حادة في تلك الدويلات ، إذ أبت جماهيرنا ذلك التقسيم ، وطالبت بتوحيد الجزر كلها في جمهورية واحدة على أن هذا الانتفاض سرعان ما جر اضطرابات أخرى ولا سيما في شرق أندونيسية ، وقد بات الوضع مهددًا بتسلل الشيوعيين للاستغلال الذي هم أتقن الناس له .. فالخطر إذن رهيب ولا بد من تداركه وهذا يقتضي تحويل المسيرة نحو الوحدة ما أمكن ، ولكن وراء التقسيم قوى لا مندوحة من النظر إليها بعين الاعتبار ، وبخاصة أن الجيوش الهولندية ما تزال رابضة تراقب الوضع في حال تهيئها للجلاء ، ولا يستبعد أن تستعيد تدخلها عن طريق بعض المرتزقين من معارضي الوحدة .
في هذا الجو المتلبد بأكداس التوقعات تقدم محمد ناصر بالحل الشافي ، وذلك بأن عرض على البرلمان ـ وهو أحد أعضائه ـ اقتراحًا مفصلًا يقضي بأن تحل كل دولة من مجموعة الاتحاد نفسها ، على أن تشكل عقب ذلك الجمهورية الموحدة .
ووفق الله فاستجابت الحكومات إلى ذلك الاقتراح دون تحفظ ، وأخذت كل دولة بتنفيذ ما يخصها منه ، وتمت صياغة الدستور الجديد على أساس الدولة الموحدة ، وبموافقة الجهات المتعددة ، وبناء على هذا التراضي انتخب سوكارنو رئيسًا لجمهورية أندونيسية ، ومحمد حتا نائبًا للرئيس ، وأسند إلى محمد ناصر الأمر بتشكيل أول وزارة للدولة الموحدة ، فلم يشرك فيها أحدًا من الشيوعيين ولا القوميين ـ جناح سوكارنو ـ لأن هؤلاء قد بدؤوا يتحولون نحو اليسار ..
وهكذا كان مشروع محمد ناصر بمثابة زورق الإنقاذ لجمهور الأندونسيين ، إذ حقق لهم أهم الأهداف وأجلها دون أن تسفك قطرة دم ، أو يراق ماء وجه .. ولولا انحرافات سوكارنو ، ونزواته الاستبدادية وغروره الذي قاده إلى اختلاق ميثاق (البانجاسيلا) الذي سلف ذكره ، إذ أوهمه أنه به يستطيع أن يحول طوائف البلاد كلها عن دياناتهم وتقاليدهم ومواريثهم دفعة واحدة إلى قطيع لا يهمه إلا بطنه ، ولا يفكر ولا ينظر إلا من خلال الثقب الذي يحدده ذلك الميثاق ، الذي سرعان ما ولد مواثيق مماثلة في العديد من بلاد العرب والمسلمين !..
أجل .. لولا تلك الانحرافات وهاتيك النزوات ، وذلك الغرور، لانتهى الأمر بأندونيسية ذات المائة والأربعين مليونًا إلى قيادة المسيرة الإسلامية الحديثة على مستوى العالم كله ..
س ـ إنك تشهد كيف أن المعركة بين الإسلام والجاهلية الحديثة قد بلغت أشدها .. فكيف تتوقع أن تكون النهاية ؟
ج ـ النهاية ستكون نفس ما صارت إليه الجاهلية الأولى ، لأن المعركة فكرية ، والفكر الإنساني قطع مراحل طويلة في مسيرة التقدم والنضج ، والبراهين الناصعة التي قدمها الإسلام عن الكون والعلوم والإنسان تزداد نصاعة وإقناعًا ، وإذا قارنا أوضاع العالم الإسلامي اليوم بما كان عليه قبل نصف قرن من الزمن لما وسعنا إلا أن نحمد الله جل وعلا ، فقد استقلت الشعوب المسلمة وزاد تعداد دولها على الأربعين ، وفتحت أمام أبناء هذه الشعوب فرص التزود بالثقافة الفكرية الرفيعة وطرق البحث والتزود العلمي ، وتخرج الكثيرون من أبناء المسلمين في مختلف التخصصات العلمية البحتة كالطبيعة والفيزياء والذرة ، وكل هذا كفيل بمواجهة ودحض دعاوى الجاهلية الحديثة إن شاء الله .
وقلنا لفضيلة الدكتور:
س ـ هناك تطور ملموس في اتجاهات الشباب المسلم في كل مكان ، فما السبيل إلى ضبطها في طريق الإسلام الصحيح ؟
ج ـ السبيل إلى ذلك هو التدريبات العلمية المنظمة ، والتوجيه المستمر كي يعايش الشباب المسلم جوهر تعاليم الإسلام ، وذلك بعرض النماذج المثالية من حياة الرعيل الأول لشباب محمد صلى الله عليه وسلم ، والمهم في إعداد وتربية هذه الكوادر أن تتاح لهم فرص الاطلاع بالمسئوليات حين تعهد إليهم مهمات محددة لخدمة الأمة"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"وبجب أن تتاح الفرص أمام الكوادر لتدريب أنفسهم على الإحساس بالمسئولية ، إن مجرد القيام بالواجب دون الإحساس بالمسئولية لن يسفر عن قيام زعامة وراثة منضبطة بالإسلام .
س ـ المتصدرون للإصلاح من مفكري الإسلام مختلفون في نظرهم إلى الواقع فمنهم من يرى البدء بتصحيح العقيدة واستبعاد التأثير الصوفي ، وآخرون يرون تجميع القوى لمواجهة العدو المشترك ـ استعمارًا أو أفكارًا ـ دون تعرض للخلافات الداخلية ، فما حكمك على الموضوع ؟