وأما الطريق الآخر الذي سلكه القرآن في تثبيت دعائم العقيدة فهو هذه الردود الكثيرة على شبهات الضالين فقد ناقش القرآن الكفار من مشركي العرب في عقائدهم ورد على شبهاتهم، وكذلك ناقش النصارى واليهود، والملاحدة، في عقائدهم ورد عليهم وأبطل دعاويهم وادعاءاتهم سواء فيما يختص بصفات الله سبحانه وتعالى أو ما يختص بملائكته، أو رسله أو قضائه وقدره، فلما نسب مشركو العرب الولد لله فقالوا الملائكة بنات الله وكذلك فعل النصارى في عيسى، وفعل اليهود في عزير قال تعالى ردًا عليهم: { وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } . . الآيات . وزعم الكفار أن الله عاجز عن إحيائهم بعد الموت فقال تعالى: { وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه وقال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } . . الآية . واتهم اليهود الله بالبخل فقالوا: { يد الله مغلولة } فقال تعالى ردًا عليهم: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان } وقالوا أيضًا نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا فقال تعالى: { بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } . ولما زعم كفار العرب الشفاعة للملائكة والأصنام قال تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ولما احتجوا بالقدر علم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم طريقة الرد عليهم فقال تعالى: { سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا اباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا باسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن وان انتم الا تخرصون قل فلله الحجة البالغة } . . الآية . ولو قرأنا القرآن متدبرين لوجدنا في سورة البقرة وحدها مائة وستين آية في الرد على شبهات اليهود العقائدية . وفي آل عمران جاءت معظم السورة في الرد على شبهات النصارى، والمشركين . وفي النساء والمائدة مع أنهما من سور الأحكام إلا أنهما مليئتان بالرد على اليهود والنصارى، وعامة شبهاتهم في العقيدة وفيها كذلك الرد على المنافقين الذين ظنوا جواز اتباع الإسلام في العبادات، والتحاكم إلى غيره في المعاملات فبين تعالى كفر من زعم ذلك وحكم بأنه لا إيمان إلا بإخلاص الطاعة لله ووجوب التحاكم في كل شجار إلى حكمه وحكم رسوله كما قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} .
والمهم من كل ذلك هو ذكر إشارات وتنبيهات فقط أن القرآن وثيقة عقائدية إيمانية، وقد ذكر بعض العلماء أن آيات الأحكام العملية مائتا آية فقط، وباقي القرآن الذي يربو على ستة آلاف آية كلها في مناقشات عقائدية .
ولا شك أن القرآن ناقش العقائد الموجودة في وقته وما سيزعمه الناس بعد وقت نزوله، ورد على كل العقائد الباطلة المعاصرة لوقت النزول، وهكذا أيضًا جادل رسول الله المشركين واليهود والنصارى، والسنة مليئة بمناقشات الرسول وجداله لليهود والمشركين والنصارى .
جهاد السلف في مجال العقيدة
وهكذا أيضًا فعل سلف الأمة الصالحون فعندما خرجوا من هذه الجزيرة اصطدموا بطوائف وملل كثيرة كالمجوس والزنادقة والفلاسفة الملحدين أو ما يسمونهم بالإلهيين، ويخطيء من يظن أن السيف الإسلامي هو الذي حسم المعركة وحده مع كل أولئك وأن انتصار المسلمين بالسيف قضى على تلك العقائد بل كانت هناك معارك مصاحبة ومتوازية مع معركة السيف وهي معركة القلم والعلم والقرآن والعقيدة انتصر فيها علماء المسلمين على دعاة الوثنية والمجوسية، والزندقة والإلحاد، ألفت الكتب الكثيرة في الرد على كل انحراف ينشأ في المسلمين تأثرًا بهذه الملل الكافرة، أو على هذه الملل بذاتها .
مذاهب الكفر والزندقة المعاصرة