وهذه بطلة رواية"التفكك"لرشيد بوجدرة بعد ما أسبغ عليها من الصفات التي يريد المرأة المسلمة أن تتحلى بها , فهي صاحبة علاقات وتمرد على القيم وعبثية لا متناهية , تقول محاورة نفسها: أكره الأمومة وكل النساء وضعن لهذا الدور منذ الطفولة , وأنا الطائشة لن أكون أما .
8-الدعوة لنبذ الدين بشرائعه وقيمه وأخلاقه , والهجوم على علمائه ووصفهم بالانتهازيين والمنافقين , وتصوير الحياة مع الدين وقيمه تصويرًا بائسًا كريهًا يستدعي التمرد عليه ونبذه .
فإملي نصر الله في روايته"طيور أيلول"يصور علاقة الحب بين نجلاء وكمال اللذين وقف بينهما حاجز غبي مجانب للمنطق ومجموعة من الأفكار المتحجرة من بقايا الأجيال الماضية وآثار حوافر خيول عربية داست أراضي القرية . وسموم رياح هبت عبر السنين وعششت في رئات السكان . فنجلا مسلمة وكمال كافر , وقد وقف الدين حجر عثرة في طريق إتمام هذا الحب , ولعل بعض الفتاوى التي يصدرها بعضهم في هذه الأيام التي تبيح زواج المسلمة من الكتابي روافد لمثل هذه الأفكار السوداء
9-النظرة السوداوية للحياة والإحباط والقهر الذي يصوره لك كاتب الرواية وكأنك تعيش في جحيم ارضي سكانه من الوحوش ويتصفون بأبشع الأخلاق وأرداها فهم بين مستبد ولص ومنافق ومتخلف , وهذا انعكاس لنفسياتهم التي يحاصرها الإحباط على كافة المستويات , فالعلمانيون العرب أرادوا أن يستنبتوا شجرة خبيثة غريبة في أرض غريبة عليها ,فلم تنمو ولم تؤت أكلها , بل أثمرت حنظلًا وأورقت أشواكًا أدمت قلوبهم قبل أن تدمي غيرها , فصاحبها نفسيات محطمة مشوهة يقتلها الإحساس بالغربة وتطاردها اللعنات والاتهامات .
وهذا غيض من فيض , ومن زار هذه الروايات رجع بما ذكرته وأكثر, والحجة التي يتشدقون بها دائما عندما يحاصرون ويكاشفون بالسقطات والإسفافات التي تضمنتها رواياتهم أنه إلى متى ونحن نغطي عيوبنا , وإلى متى نحاول إخفاءها عن الأنظار لماذا نتخيل مجتمعنا نقيًا طاهرًا مع أنه يعج بألوان الفساد ؟
لماذا لا نمتلك الشجاعة ونواجه مشكلاته , بل نفضحها ؟ وقد يغر الغرَّ فيندفع ببلاهة لتصديقهم .
اتفقنا معهم على وجود أخطاء وتجاوزات ومساوئ لابد أن توجد بحكم طبيعة اختلاف البشر وتفاوتهم , إلا أنا لا نتفق معهم على طريقة علاجها بهذه الصورة المقززة الفاضحة التي تدعوا للفساد ولا تدعوا للإصلاح .
ثم هل خلا المجتمع من الفضائل والمحاسن حتى تختفي من رواياتهم ونظل نبحث عنها حتى بالمجهر فلا نجدها ؟ لماذا تسليط الضوء على الفساد والأمور المخلة ؟ وكأنهم يقولون للناس: هذه حياتكم , وهذا مجتمعكم , فلا تتمسكوا بفضيلة ولا تدعوها , بل القوا عن أعناقكم ثقلها , فالتمسك بها نفاق ومظهرية جوفاء , وانطلقوا كالبهائم في أودية الشهوات , ثم هل عرضوها بصورة تبين جرمها وسوئها أم عرضوها بصورة محببة للنفوس ؟
والبعض قد يحتج بأن في التراث قصص مخجلة فلماذا لا ننتقد ؟ لماذا التركيز على الإنتاج المعاصر , و إضفاء التقديس للتراث ؟ ولكن يقال له: إن التراث وغيره يحاكم على ميزان الكتاب والسنة , ولو كان عندهم مجرد اطلاع على كتب العلماء لرأوا كيف ذم العلماء بعض كتب التراث الأدبي كالأغاني وغيره لأنها تضمنت أمور مخلة .
أيضًا الأمة لا تزال في فترة ضعف وبناء وليس لدينا وقت للهزال والمسخرة وتبديد العمر في مثل هذه الترهات .
وقد أحس بقيمة الرواية وخطورتها وبعد أثرها في قرائها نفر من أرباب الأدب الإسلامي وقامت محاولات مشكورة , ولكنها لا تفي بالغرض كمًا و كيفًا, فهناك روايات أقرب للحكايات البسيطة السطحية التي لا تروي نهمة القارئ ولا تمنحه الخيال ولا تضيف إلى مشاعره ومكنونات نفسه شيئًا يذكر .
الرواية تحتاج لبناء خيالي قريب من البناء الحقيقي للمجتمع , لذلك يحتاج الروائي لخيال خصب لإكمال جوانب الحياة بأحداثها وشخصياتها كما هي , ويبث فكرته المرادة في الرواية ويلامسها عن بعد من غير مباشرة لها حتى لا تفقد تأثيرها وتتحول إلى وعظ مباشر , فالوعظ له مجاله وطرائقه التي ليست منها الرواية , وإن كان لا مانع أن يتخلل الرواية بعض المواعظ التي تنسجم مع سياقها ولا تقحم إقحامًا , بل تكون كما قيل: لمحة داله .
والمشكلة التي يقع فيها من يحاول أسلمة العلوم والآداب والفنون عمومًا وكتاب الروايات الإسلامية خصوصًا أنه تتلمذ على الروائيين الغربيين والروائيين العلمانيين فأخذ منهم نظرتهم للحياة وتصويرهم لها , فإذا أراد كتابة رواية إسلامية ربما لا يستطيع التخلص من علائق هؤلاء في فكره وعقله , بل ربما استمد تصوير الحياة وأحداثها منهم وإعطائها صبغة إسلامية وهو لا يشعر , بل ربما وضع بعض القيم الإسلامية في غير موضعها فيضر من حيث يظن أنه ينفع وكم من مريد للخير لم يبلغه .