وأذكر محاولة كاتب رواية إسلامية حاول نسج قصته عن العفة , ولكنه صورها بطريقة مقلوبة حيث ضخم موضوع الجمال والدلال والنظرات والحب , ثم جعل هذا الشاب المتدين يعيش أزمة العفة حين تعلق قلبه بمحبوبته , فتسود الدنيا في وجهه لأنه متدين ولأنه يرفض الوقوع في الحرام, والحلال طريقه مسدود مما يجعل القارئ للرواية ربما يستثقل العفة ويراها أزمة يعيشها الإنسان العفيف , حتى أنه صور أحد الناصحين لهذا الشاب من مغبة العشق بأنه كبير في السن ويعيش زمان غير زمان الشباب , ويعرج أحيانًا إلى جوانب مثيرة كذكر مفاتن المرأة أو لقاء الحبيبين الذين ليس بينهما علاقة شرعية, وقد يدخل بعضهم بدعًا في الرواية بسبب جهله بالشرع كزيارة الأضرحة لتفريج الكربات أو التبرك بالأولياء , وربما أدخل التصورات العلمانية للحياة في الرواية وهو لا يشعر .
وطالما أنه حمل مسمى رواية إسلامية فصاحبها مسئول أمام الله تعالى أولًا وأمام باقي المسلمين ثانيًا أن يقدم أدبًا ينطلق من رؤية إسلامية حقه وإن كان لا يريد أو لا يستطيع فلينسبها لنتاجه وفكره فتكون مسؤوليته أقل وضرره أهون .
لابد لمن يتصدى للأدب الإسلامي عمومًا وللرواية الإسلامية خصوصًا أن ينطلق من مفاهيم الإسلام يبثها خلال روايته , فالذي لا يعي النظرة الإسلامية والمفاهيم القرآنية ربما انطلق من منطلقات مخالفة وهو لا يشعر , وهذه المفاهيم تكمن في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته المباركة وفي حياة السلف الصالح وفيما خطه علماء الإسلام الكبار .
لو تأملنا في كتاب الله تعالى لوجدناه كنزًا لا يفنى من العبر والمفاهيم والقيم والحكم والقصة تأخذ حيزًا كبيرًا منه, فيستطيع الروائي الإسلامي الاستفادة من هذا المعين العظيم قيمًا ومفاهيم ومنهجية في القص , فالقرآن قص أحوال الأمم السابقة محسنهم ومسيئهم وشيئًا من حياتهم وأعمالهم ونهاياتهم , فيستفيد الروائي كيفية تصوير حال المحسن والمسيء وكيف يعرض قضيتي الحق والباطل .
وهنا مثال ذكره الأستاذ محمد قطب وهو قصة يوسف عليه الصلاة والسلام , فالقصة تحكي اختلاء امرأة برجل وعرض نفسها عليه وتمنعه عنها , فالقارئ للقصة تستشعر نفسه العفة وقيمتها وتميل إليها وتنفر عن الفاحشة , بل لا يشعر بأي إثارة أو تحرك لنار الشهوة في قلبه . فالجوانب المثيرة كانت مغفلة لأنها ليست الهدف , وربما يعرض بعضهم قصة عفة فيركز على جوانب الإثارة ليبين للقارئ مدى الصعوبة التي يواجهها العفيف , فيورد من تفاصيل مفاتن المرأة ما يهيج القارئ ويجعل فكره وخياله يحلق حول هذه المفاتن , وربما ركز على أمور أخرى كحرارة اللقاء وغير ذلك مما يذهب بلب القارئ ويضيع الهدف الحقيقي من وراء روايته .
وربما يقول البعض: إن الرواية الخالية من الحب تكون جافة غير مستساغة , وهو إضافة على أنه حكم قاصر فيه تجن على الذوق العام ووصفه بالذوق الهابط الذي لا يتذوق إلا المفاسد ولا يتعدى عقول أهله وأفكارهم هذا الإطار , وحقيقة لو إستقرأت واقع الناس وهمومهم لوجدت أن مسألة الحب والجنس ليست كل شيء عند الناس , فالناس لهم اهتمامات كثيرة سواء بالاقتصاد أو السياسة أو أحوال المجتمع أو التاريخ ولعل نموذج القنوات الفضائية الجادة أكبر مثال على هذا .
فالذين رسخوا الإعلام الفاسد المطعم بالإثارة في كل جزء , حاولو إقناعنا بعدم نجاح إعلام إلا إذا تضمن إثارة ونساء إلى آخر تلك الطبخات المتعفنة . فلما جاء إعلام خال من كل هذا أصبح حديث المجالس وأصبحت قنواته تتصدر قائمة القنوات من حيث عدد المشاهدين . وما أكثر الموضوعات التي يمكن أن تؤلف حول الرواية سواء في الجوانب التاريخية أو الإجتماعية أو غيرها , فما على الكاتب إلا انتقاءها ثم توظيفها .
والتاريخ الإسلامي بحر زاخر بالأحداث العظيمة والتي كان لها أثر في كافة التغيرات , والتاريخ كما قيل يكتبه المنتصرون , فهو تاريخ الغالبين , أما الرواية فهي تاريخ المقهورين والمهمشين والمنسيين , إنها تؤرخ للتفاصيل اليومية وما وراء الأحداث مما لا يستطيع التاريخ التقاطه , ويستطيع الراوي المحترف تصوير مرحلة بأحداثها وشخصياتها وإيجابياتها وسلبياتها , ولعل أكبر مصدر يساعد المؤرخ على هذا هو كتب الرحلات حيث يصف الرحالة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والكثير الكثير من مشاهداته في البلاد التي دخلها , كذلك كتب السير الذاتية وإن كانت قليلة إلا أنها وجدت تسد مسدًا كبيرًا , ومنها تراجم العلماء فتجد فيها تفصيلات للعصر وطبيعة الحياة التي عاش فيها المترجم له .