فهرس الكتاب

الصفحة 8134 من 27345

والجواب على السؤال هو في الإشارة إلى تربية الفرد كما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: ( هنا تبدو مشكلة الحضارة الإسلامية ، وهنا يبدو الموقف الحكيم الذي وقفه منها ابن خلدون . فالحضارة الإسلامية في عصر ابن خلدون لم تكن صورُ عرض مشكلاتها كما كانت عند الأفغاني أو محمد عبده أو شكيب أرسلان أو محمد إقبال ، فهؤلاء وجدوا أمة مغلوبة ومدنية مضروبة ودولا زائلة ، لقد تناول ابن خلدون المشكلة لا كأعراض ، ولكن بإرجاع الأمر كله إلى مقياس الحق والباطل ، وإلى حسن القصد وسوء القصد ، بحسب ما يكون بين نفوس الأفراد من عقد وأمانة ، وفي سلوكهم من استقامة وإخلاص . لقد أرجع ابن خلدون الحضارة الإسلامية إلى أصلها وأساسها .. وهو العقيدة الدينية ) روح الحضارة الإسلامية نشر المعهد العالي للفكر الإسلامي بواشنطن ص 38-39 - 54 وروح الحضارة ص 70-72

نعم ، إنها العقيدة الدينية ولكن في وضعها الحركي النابع من التربية الفردية حسب المنهج الإسلامي .

وكما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ( إنه من خلال العقيدة الدينية في وضعها داخل منهج الحركة التربوية الفردية اكتسب المسلم خلالا نفسية جديدة ، لم يستفد علما ولا صناعة ولا قوة مادية ولكن الذي اكتسبه من خلال التربية طوَّع له العلم والصناعة والقوة المادية ، فكانت المدارك الدينية وحدها هي التي فتحت أمام نظر المسلم آفاق الكون للتأمل والاعتبار والمعرفة والإيمان ، ولما عرف نواحي الوجود على ما هي عليه بنظره الديني اتجه إلى بحث ما اشتملت عليه تلك النواحي .. فتكونت فيه داعية طلب العلم على اختلاف مواضيعه وفنونه ، فاصطنع العلوم التي هي من التراث الإنساني المشترك ، وابتكر العلوم التي هي من التراث الإسلامي الخاص )

إن الأمر يرجع إلى التربية ، وإلى موقع العقيدة الدينية من مقومات المنهج التربوي ، إن هذا الموقع القائد كان هو الحافز لنهضة المسلم ، ( وكان هو الذي مهد له طريق الاتصال بما أنتجت الحضارة من أفكار ومصانع فبالدين فكر المسلم ،وبالدين تحضر ، وبالدين أنتج آثار حضارته ، وبالدين أقام الدولة الحامية للمجتمع وحضارته فكان وضع الدين على صورته المستقيمة قاضيا بأن يتناول المسلم الحضارة متلقيا ومنشئا ومتصرفا )

ومن هنا فإننا نرى أن ما تم جزئيا أو كليا من إزاحة حلق هذه العقيدة عن موقعها الحركي في كيان الأمة يشير إلى مسئولية المنهج التربوي المضطرب المتعلمن المحلوق ، عن درجة الانحطاط التي تتدحرج إليها الحالة الحضارية في المجتمع الإسلامي المعاصر

كذلك فإن هذه الإزاحة الحلاقة تفسر لنا ما أصاب هذه العقيدة من انكماش صدها عن أن تخلع من روحها على الحضارة ، فأصبحت - كما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور - خائرة حائرة جامدة لا تتقدم …

هذه الإزاحة الحلاقة هي ما أصاب العقيدة الدينية بالتراجع والانكماش حتى أصبحت غير فعالة ولا مؤثرة … تعمر بها قلوبهم ، وتشهد عليها ألسنتهم ، ولكنها لا تتجاوز القلوب والحناجر إلى الأعضاء والجوارح …

فكان الذي أصاب العقيدة لم يتناول جوهرها ولكنه أعطب أثرها في الحياة العملية ، وما ذلك إلا للخلل في المنهج التربوي الذي قام - أخيرا - في إزاحة - حلق - العقيدة عن موقع التأثير .

وصار المسلم بذلك مخلا بمبدأ أساسي في كيان الحضارة الإسلامية ألا وهو الربط بين العلم والعمل ثم الربط بينهما وبين الدين .

وتولدت من هنا نظرية تفكيك الدين من الدنيا - في ضمير المسلم المعاصر بعد تفكيكه في الخطط التربوية المعلمنة السابقة والقادمة - حيث ينظر المسلم إلى الدين باعتباره خيرا غير واقع ، والدنيا باعتبارها شرا واقعا ، وأصبح العبد المسلم يحمل بين جنبيه دينا لا يؤثر فيه إلا لماما ، ويعيش في دنيا لا يعرف فيها إلا كل ما يبعد عن الدين . ثم هجمت عليه في حياته العملية مدنيات أجنبية عنه ، فيها العلم وفيها الصناعة وفيها القوة وفيها الحكمة فلم يجد من إرادته الدينية ما يتناول به هذه المدنية كما تناول المدنيات التي احتك بها من قبل ، يوم كانت إرادته الدينية قوية سليمة … فوقف أمامها جامدا ، وكادت الدائرة المغلقة تنطبق عليه في هذا الوضع اليائس عندما تولدت عنده عقدة الشعور بالنقص الذاتي ، وعقدة اليأس من استقامة الحقيقة الدينية في حياته ، وعقدة الإلف بحياة الشر والمهانة ، مع موت الوازع الذي يصد عنها روح الحضارة ص 72- 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت