قال الحافظ:"قوله: (( تأخذ فوق يده ) )كنى به عن كفّه عن الظلم بالفعل إن لم يكفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة".
وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانها عن سبع، فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وردَّ السلام ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإبرار المقسم.
قال الحافظ:"قوله: (باب نصر المظلوم) هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين وكذلك في الناصرين، ويتعين أحيانًا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشدّ من مفسدة المنكَر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخيّر، وشرط الناصر أن يكون عالمًا بكون الفعل ظلمًا. ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنقذ إنسانًا من يد إنسان طالبه بمال ظلمًا وهدّده إن لم يبذله، وقد يقع بعده وهو كثير".
أخرجه البخاري في المظالم، باب: أعن أخاك ظلمًا أو مظلومًا (2444) .
فتح الباري (5/118) .
أخرجه البخاري في المظالم، باب: نصر المظلوم (2445) ، ومسلم في اللباس والزينة (2066) .
فتح الباري (5/119) .
حادي عشر: الانتصار من الظلم والدعاء على الظالم:
قال تعالى: {لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوء مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء:148] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا يحبّ الله أن يدعوَ أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} وإن صبر فهو خير له) .
قال ابن سعدي:"يخبر تعالى أنه لا يحبّ الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه، ويشتكي منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه، ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمة".
وقال تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ} [الشورى:41] .
قال ابن سعدي:"أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه، {فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ} أي: لا حرج عليهم في ذلك".
جامع البيان (4/339) .
تيسير الكريم الرحمن (175) .
تيسير الكريم الرحمن (706) .
ثاني عشر: العفو عن الظالم:
قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء:149] .
قال ابن جرير:"يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو على عباده، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه، فاعفوا أنتم أيضًا ـ أيها الناس ـ عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره".
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:39، 40] .
قال إبراهيم النخعي:"كانوا يكرهون أن يُستذلّوا، فإذا قدروا عفوا".
قال ابن كثير في تفسير الآية:"فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو".
وقال ابن سعدي:"وشرط الله في العفو والإصلاح صلاحهما لحال الجاني ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق بالعفو عنه وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به. وفي جعل أجر العافي على الله تهييج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل".
جامع البيان (4/343) .
صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب: الانتصار من الظالم (5/119) مع الفتح.
تفسير القرآن العظيم (4/128) .
تيسير الكريم الرحمن (706) .
ثالث عشر: التوبة من الظلم والتحلل من المظالم:
قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110] .
قال ابن سعدي:"أي: من تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًا يستلزم الإقلاع والعزم على أن لا يعود، فهذا قد وعده مَن لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة ويوفقه فيما يستقبله من عمره... ويفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم".