ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ] المائدة33[ .
وإن كان طلبًا للملك فهو يعنى طالما كان الإمام عدلًا وأما إن كان الإمام فاسقًا فالخروج عليه مختلف فيه عند أهل السنة ، والذى عليه جمهورهم بل نقل انعقاد إجماع المتأخرين منهم غير واحد من العلماء
كالإمام النووى وغيره: هو عدم الخروج والصبر على جور الأئمة لأن الخروج في الغالب مفسدته أكثر من مصلحته ، أما إذا طرأ عليه الكفر انعزل ووجب خلعه وإقامة عدل مكانه على من تمكنوا من ذلك .
وأما الخروج عن الجماعة المتضمن للكفر واللحاق بمعسكر الكافرين فهو ردة والعياذ بالله .
شغور الزمان عن الإمام
المقصود بشغور الزمان عن الإمام هو عدم وجود الحكومة المسلمة التى تحمل المكانة على مقتضى الحكم الشرعى وهذا الشغور يكون في صورتين:
الأولى:- إنعدامه حسًا .
كما لو مات الإمام أو عزل بسبب يقتضيه أو أسر وبقى الناس بعده أوزعًا متفرقين ، فالواجب في هذه الحالة على جماعة أهل الحل والعقد أن يبايعوا من يصلح للإمامة ثم تبايعه الأمة بعد ذلك والأدلة على وجوب التأمير كثيرة مستفيضة من الكتاب والسنة والإجماع
قال الله - عز وجل - { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } ]النساء95 [ ، وقوله - عز وجل - { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ] النساء83[ .
فلابد للناس من ولى أمر يتولى شئونهم ويدبر مصالحهم وذلك بدلالة إشارة النص ، وقوله - عز وجل - { ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولاتتبع الهوى } ]ص26[ .
من السنة قول النبى - صلى الله عليه وسلم -"لايحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"رواه أحمد عن ابن عمرو ورواه أبو داود عن أبى سعيد .
قال الإمام الشوكانى في نبل الأوطار 9/157 بعد سياق روايات الحديث المتعددة: ( وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذى يؤدى إلى التلف فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل مايطابق هواه فيهلكون ومع التأمير يقل الإختلاف وتجتمع الكلمة وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو مسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى وفى ذلك دليل لقول من قال:( إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام ) نيل الأوطار 9/157 .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لاقيام للدين ولا للدنيا إلا بها فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولابد لهم عند الإجتماع من رأس حتى قال النبى - صلى الله عليه وسلم -"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة ورواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال"لايحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"فأوجب - صلى الله عليه وسلم - تأمير الواحد في الإجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الإجتماع ولأن الله - سبحانه وتعالى - أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولايتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ماأوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لاتتم إلا بالقوة والإمارة .أهـ .
تنبيه:
يتضح من كلام الأئمة السابق أن نصب افمارة ليس قاصرًا على ولاية السفر بل هو أمر عام في السفر والحضر وهذا الفهم من العلماء بخلاف مايتوهمه البعض .
الثانية:- الإنعدام الشرعى:
كما لو ارتد الإمام عن الإسلام أو بدل الشرائع وغير الأحكام فسقطت بذلك بيعته وانحلت عقدة إقامته وإن بقى في موقعه قابضًا على أزمة الأمور .
قال الإمام النووى في شرح مسلم 6/20 قال القاضى عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لاتنعقد لكافر وعلى أنه لوطرأ عليه الكفر إنعزل ، قال وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها .
قال القاضى: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكمه الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إما عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولايجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه .أهـ.
ومحل الفرار فيما إذا لم يكن للمرء مدخل في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنقاذ المسلمين من الهلكة .