فهرس الكتاب

الصفحة 9794 من 27345

قال الشافعي: (أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على الحج، وتخلف في المدينة بعد منصرفه من تبوك لا محاربًا ولا مشغولًا بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، ولو كان كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفرض ولا ترك المتخلفون عنه،فوقت الحج ما بين أن يجب عليه إلى أن يموت) (28) .

فمتى ما أدى الإنسان الحج سواء في السنة الأولى أو الثانية فهو أداء، فالمعتبر: هو الأداء في العمر.

مناقشة أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالآيتين الكريمتين المقتضيتان الأداء في العمر طالما أن الأمر بأداء الحج مطلق، والأمر المطلق عن الوقت يقتضي التراخي لكن بشرط الأداء.

ـ والمأمور به من الشارع نوعان:

1-مطلق عن الوقت.

2-مقيد به.

ـ وحكم المطلق:أن يكون الأداء واجبا على التراخي بشرط أن لا يفوته في العمر، فلو نذر أن يعتكف ليلة فله أن يعتكف أي ليلة شاء.

ـ والمقيد نوعان:

أ ـ ما يكون الوقت ظرفًا للفعل: فوجوب الفعل فيه لا ينافي وجوب فعل آخر فيه من جنسه، وذلك كالصلاة: كأن ينذر أن يصلي في وقت الظهر عشر ركعات فيلزمه، فوجوب صلاة الظهر لا ينافي وجوب صلاة النذر فيصلي الجميع، وهنا تعتبر النية المعينة، وذلك لاعتبار المزاحم.

ب ـ ما يكون الوقت معيارًا له: بمعنى: تعيين الوقت المخصص له، وذلك مثل شهر الصوم، فإذا عين الشارع له وقتًا لا يجب غيره في ذلك الوقت (29) .

وأنبه إلى الفرق بين من يقول: يجوز التراخي، ومن يقول: يقتضي التراخي، ففي الأولى: يجوز الفور أو التراخي، وفي الثانية: لا يجوز الفور.

فإذا كان الأمر بأداء الحج يجوز فيه التراخي بشرط الأداء وعدم الفوات، فمن يضمن الأداء وعدم الفوات، فقد يعش وقد لا يعش، والموت خلال سنة غير نادر بل هو كثير.

ولهذا فمن مات قبل أداء الحج مع القدرة عليه قبل الموت: إما أن يكون مات عن وصية أو عن غير وصية، فإن مات من غير وصية يأثم، فعلى القول بالوجوب على الفور فلا إشكال فيه، لأنه سيؤديه عاجلًا.

وعلى القول بالتراخي: فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر عمره في وقت ليس له التأخير فيه، فيجب عليه أن يفعله بنفسه إن كان قادرًا على الفعل، وإن كان عاجزًا عن الفعل فيمكنه الأداء بما له بإنابة غيره منابه، ووجب عليه أن يوصي به، فإن لم يوص به حتى مات أثم بتفويته الفرض عن وقته مع إمكان الأداء (30) .

وهذا الإثم الذي لحقه إنما هو بسبب التراخي حتى أدركه الموت قبل أدائه،ودون وصية به.

قال ابن حزم: (وحكم أوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -كلها على الفور إلا أن يأتي نص بإباحة التراخي في شيء ما فيوقف عنده) (31) .

والقائلون بالتراخي: لم يقولوا به مطلقا بل قيدوه بشروط: أن لا يخشى المرض، وأن لا يفوته في العمر.

لكن الأجل عرض، وما يحصل للإنسان في مستقبل عمره غيب (32) .

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام فقد تقدم الجواب عنه.

سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة:

بعد أن ذكرت أقوال الفقهاء، وأدلتهم، ووجه الدلالة، ومناقشة الأدلة، أستطيع أن أحصر سبب الخلاف بين الفقهاء إلى أمرين اثنين:

1 ـ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - وفعله، حيث ورد القول بالتعجل،والفعل دل على التراخي.

2 ـ الأمر المطلق عن الوقت، هل يحمل على الفور أم يحمل على التراخي (33) ، وذلك أن الأمر بأداء الحج مطلق على الوقت وذلك في قوله تعالى: ? الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات ? [البقرة: 197] . فالذين قالوا بالفور، قالوا: لما كان مختصًا بوقت وهو العام بعد التمكن كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت، والذين قالوا بالتراخي، قالوا: إنها أشهر معلومات من العمر، فهي على التوسعة.

واعتبر الإمام السرخسي: أن الأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج، فتكون أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعينة ولا مزاحم له، ولا يدري هل يبقى أم لا ؟وهذا محتمل ولا يعارض المتحقق، فإذا ثبت انتفاء المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء، فالتأخير عنها تفويتًا كتأخير الصلاة عن الوقت، والصوم عن الشهر (34) .

ـ وقياسًا على وقت الصلاة حيث أن للصلاة وقت أول وآخر، فمن شبهه بآخر الوقت قال:على الفور، ومن شبهه بأول الوقت قال:على التراخي.

وتشبيه الحج بآخر الوقت:

أ - لأن الحج يأتي بعده وقت لا يجوز فيه فعله،كما أن وقت الصلاة إذا انقضى يدخل بعده وقت لا يكون المصلي فيه مؤديًا.

ب ـ وبما يغلب على الظن من وقوع الموت في خلال فترة العام بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره فالغالب أن الموت في مقدار هذا الوقت نادر لأنه وقت قصير .

ج ـ ولأن التأخير في الصلاة مع مصاحبة الوقت، والتأخير في الحج مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة، إلا على القول بأن وقته أشهر معلومات من العمر مطلقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت