فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 6093

{ لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } فى الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يختص الإِدراك بالكنه ، بل من أَدرك طرف شئ فقد أَدركه ولو لم يدركه كله ، ورؤيته تعالى توجب التحيز والجهات والزمان والحلول واللون والغلط أَو الدقة والطول والعرض والحاجة وذلك يوجب الحدوث ، ونفى الإِدراك مدح وما هو مدح يستمر في الدنيا والآخرة ، ولا يدرك بالقلب أَيضًا لأَنه إِذا صوره القلب لزم تحيزه ، وما ذكر بعده ، وإِنما تدرك أَفعاله الدالة على أَوصافه الموجبة لوجوده بلا أَول ولوحدانيته وهو مخالف للحوادث وجوبًا وما وجبت مخالفته للحوادث لا تدركه الحوادث لأَن إِدراكها إِياه يناقض المخالفة ، والفرض المخالفة ، وأَل للاستغراق باقية على العموم الشمولى بعد النفى فشملت أَبصار المؤمنين وأَبصار الكفار كما هو الوارد في القرآن بلا تكلف تأويل في قوله تعالى { والله لا يحب كل مختال فخور } نحو هذا ، وأَما قوله تعالى { إِلى ربها ناظرة } فمعناه إِلى دلائل ربها أَو إِلى رحمة ربها ، والنظر بمعنى الانتظار قد جاءَ تعدية بإِلى أَو إِلى معناه النعمة ، أَى ناظرة إِلى ربها أَى ناظرة نعمة ربها ، وأَما قوله A: سترون ربكم فمعناه ازداد القين في الجنة بدلائل لم يتقدم مثلها ، وهذا هو المراد أَيضًا في رواية ترون ربكم بعين رأسكم ، أَى تشاهدون بأَبصاركم دلائل لم تتقدم في الدنيا وذلك أن رؤيته منافية لقوله تعالى { ليس كمثله شئ } ولسائر صفاته وعموم الأَزمنة يدل على عموم الأَمكنة ، والبصر يطلق على العين وعلى القوة التى فيها وعلى قوة القلب ، والمراد هنا العين أَو القوة التى فيهان وقيل ذلك والأَوهام والأَفهام ، فعلل على توحيد الله أَنه لا تتوهمه ، وقال كل ما أَدركته فهو غيره ، وحمل بعضهم الآية على قوة القلب ، وقال الصديق رضى الله عنه: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته ، وقد قال إِمام الأََشعرية أَبو الحسن الأَشعرى: المنفى في الآية الرؤية المطلقة المحيطة وغير المحيطة ، وكما تؤدى الإِحاطة به إِلى نقص يؤدى إِدراكه بلا إِحاطة إِلى نقص ، والإِسناد في لا تدركه الأَبصار مجاز عقلى ، أَى لا يدركه أو لو الأبصار ، والفعلية للتجدد والاستمرار التجددى ، والاسمية للدوام في قوله تعالى كما قالوا وهو يدرك الأَبصار ، وهذا عجيب فإِنه لا فرق بين تقدم الفعل وتأَخره ، فقولك يدرك الأَبصار وقولك هو يدرك الأَبصار ، فقام زيد زيد قام سواء { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } يراها أَى يعلمها ، والبصر الأَسود الذى وسط أَسود العين ، وبه يكون الإِبصار ، أَو القوة المودعة في ذلك الأَسود ، أَو في العصبتين المجوفتين المؤديتين إِليه ، وقد يطلق على العين لأَنها محل ذلك ، والعصبتان ممتدتان من خارج { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } اللطف الدقة الموجبة لخفاء الإِدراك ، مستعار من مقابل الكثيف الذى لا تدركه الحاسة ولا ينطبع فيها ، وهذا هو المراد هنا ، وقد يطلق اللطيف على الخفى المدرك ، وهو عائد إِلى قوله D { لا تدركه الأَبصار } وذلك أَنه خلق الأَبصار على أَن لا تدركه وعلى عدم إِمكان إِدراكها إِياه ، والخبرة العلم بما دق وخفى وهى عائدة إِلى قوله D وهو يدرك الأَبصار ، والحاصل أَنه لا تدركه الأَبصار لأَنه من شأنه الخفاء عنها ويدركها لكمال علمه ، وكذا يفسر ما في سورة الملك ، وأَما الذى في سورة الشورى فيعنى الذى يربى الخلق يصنوف الإِنعام التى لا تدركها الأَوهام ، ولا يليق تفسير الآية هنا به ، فلا يليق بالمقام ما قيل من أَن المعنى لطيف بأَوليائه خبير بهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت