{ ألم تَروْا أن الله سخَّر لَكم ما في السَّموات وما في الأرض } رجوع الى خطاب المشركين على اصرارهم بعد ذكر وعظ لقمان ، والتسخير التسهيل ، والادلال لشئ الى المطلوب سواء كان الشئ حيا يمكن امتناعه ام لا كالحيوانات والملائكة النافعين بسوق المطر مثلا والمعادن ، والشمس والقمر والنجوم ، والرياح والليل والقمر { وأسْبغ } اوسع { عليكم } لكم او كثر نعمه حتى صارت كالشئ المستعلى فوقنا بعد التجلل من جوانبنا { نِعَمه } ما أنعم عليكم به ، والمفرد نعمة ، واصله المعنى المصدرى ، وهو التلذذ ، واطلق اسم المسبب على المسبب ، فان ما انعم به علينا سبب التلذذ والنعمة ، بمعنى ما انعم به هى شئ ينتفع به ، ويستلذ ولم اقل امر ينتفع به ، ليشمل الشئ ما هو جسم ، والامر لا يشمله الامجازا ، ولم ارد تحمد عاقبته كما زاده بعض ، لان ما ينتفع به نعمة ، سواء حمدت عاقبته بان شكرت مثلا ولم تضر او لم تحمد بان كانت تضر بعد ، او كفرت فالماء او اللبن المستلذ نعمة ، ولو كان يتضرر به بدن شاربه .
والنعمة التى لم تشكر يعاقب عليها ، ولا يخرجها العقاب عن كونها نعمة ، وانما ذلك امر شرعى فالكفار منعم عليهم كما هو نصوص القرآن ومن اشترط ان تكون العاقبة محمودة قال: هم غير منعم عليهم ، وهو خطأ ، وقال بعض: النعمة المنفعة المفعولة على جهة الاحسان الى الغير وقال بعض: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الاحسان الى الغير ، قال بعض المحققين: الاولى اسقاط لفظ الحسنة ، لجواز ان يستحق الشكر بالاحسان ، ان كان فعله محظورا لان جهة الشكر كونه احسانا ، وجهله الذم والعقاب الحظر ، فالفاسق يستحق الشكر لاحسانه ، والذم لمعصية الله تعالى .
{ ظاهِرةً } محسوسة معروفة كقوة البدن ، وكالأموال والأولاد ، وظهور الاسلام ، والنصر على الاعداء ، وحسن الصورة ، وامتداد القامة ، وتسوية الاعضاء ، والسمع والبصر ، وغير ذلك من نعم الدنيا { وباطِنةً } كالامداد من الملائكة ، ومعرفة الله تعالى ، والقلب والعقل والفهم ، ونعم الآخرة ، وقيل: الظاهرة ارسال الرسل وانزال الكتب ، والتوفيق للاسلام ، والثبات عليه ، والباطنة ما اصاب الارواح في عالم الذر من النور ، وعن على: سألت رسول الله A فقال: « الظاهرة ما سوى من خلقك ، والباطنة ما ستر من عورتك » .
والمراد التمثيل ، كما يدل ما في البيهقى ، عن ابن عباس ، سألت رسول الله A فقال: « الظاهرة الاسلام وما سوى من خلقك ورزقه ، والباطنة ما ستر من مساؤى عملك » والمراد أيضا التمثيل ، ومعنى قوله: ما ستر من مساوئ عملك ستر ما ستر عن مساوئه ، او ما مصدرية اى ستره من مساوئه ، اى الواقع منها ، ويدل لهذا ما فيه من طريق مقاتل الظاهرة الاسلام ، والباطنة ستر المعاصى ، وفى رواية: اما ما بطن فستر مساؤى عملك ، وفى دعاء موسى عليه السلام: الهى دلنى على اخفى نعمك ، فقال تعالى: اخفاها النفس ، وقيل: اخفاها تخفيف الشرائع ، واكثار الثواب ، وصرف البلاء ، وقبول الخلق ، ورضا الرب .