{ قالُوا } كان فيهم القو ، أى قال بعض لبعض { حرِّقوه } فان النار أشد ما يعذب به ، ولذلك كانت عذاب الله في الآخرة ، لا يعذب بالنار إلا ربها: { وانصروا } وتحريقه { آلهتكم إن كُنْتم فاعلين } مريدين لفعل ننصرها ، وإن لم تعذبوه البتة ، أو عذبتموه بغير النار ، فقد خذلتموها ، أمرهم نمرود بن كنعان بن سنجاريب بن نمرود بن كوس بن حام بن نوح عليه السلام ، وروى أنه تليت الآية على ابن عمر فقال: أتدرى يا مجاهد من أمر بذلك؟ قال: لا ، قال: رجل من أعرب فارس ، يعنى الأكراد ، على أن الأكراد من الفرس ، وذهب كثير الى أنهم من العرب ، وذكر ، أن منهم جابان أبا ميهون من الصحابة ، ولعل المراد بالأعراب أهل الصحراء ولو عجمًا ، ومات نمرود ببعوضة في دماغة ، صارت فيه كالفرخ .
وذاكر ابن عطية أن الآمر بذلك رجل من الأكراد خسف به الأرض تلجلجًا الى يوم القيامة ، واسمه هبون ، وقيل: هدير ، وذلك لأمره ، ولو كان المنفذ له نمرود لا إياه ، وحيى نمرود الى أن مات بالباعوضة حبسوه ، وجمعوا له الحطب الغليظ أربعين يومًا ، وقيل شهرًا ، وأوقدوه في حظيرة في بلدة يقال لها كوسى من قرى الأنباط في حدود بابل من العراق ، ولا يمر عليها طائر إلا احترق ، ولا يقدرون على أن يربوها ، فأمرهم إبليس ، أو الرجل الذى أمر بهما أن يلقوه فيها بالمنجنيق ، وجعلوه فيه مغلولا مقيدًا ، فصاحت ملائكة السماء والأرض: إلهنا ما في أرضك من يعبدك غير ابراهيم وهو يحرف فيك فإذن لنا في نصره ، فقال D: مان استغاث بأحد منكم فلينصره ، وان لم يدع غيرى فأنا إليهه ووليه ، وعالم به ، فخلوا بينى وبينه ، فإنه خليلى ، ليس لى خليل غيره ، وليس له إله غيرى .
فأتاه خازن الماء ، وخازن الرياح ، فاستأذناه فقال: لا حاجة لى إليكم ، حسبى الله نعم الوكيل ، وأتاه جبريل وهو في الهواء ، فقال: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا ، فقال سل ربك ، فقال هو عالم بحالى ، وحين أوثقوه قال: لا إليه إلا أنت سبحانك لك الحمد ، ولك الملك ، لا شريك لك .
وفى البخارى عند قوله تعالى: { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها ابراهيم حخين ألقى في النار ، ومحمد حين قيل إن الناس قد جمعوا لكم ، وأنت خبير بما هنا من روايات ، أن الضفادع تسعى في إطفاء النار بالماء ، فذهب ثلثاها ، وأن الوزغ كان ينفخ في النار الى غير ذلك ، كانت المرأة تنذر أن عليه كذا من الحطب ، لإحراق ابراهيم إن نالت حاجتها ، ولم تضره النار ، وبقى ضوءها وإشراقها ، ولم تغيره شيئًا سوى أن أحرقت كتافه ، أبقى الله حرارتها على اكتاف ، وأزالها عنه كما قال الله جل وعلا .