هذا الفتح هو صلح الحديبية عند الجمهور ، وهو قول ابن عباس وأنس ، أخبر الله تعالى به مؤكدا بأن ، وبأنه فتح مبين ، أى ظاهرا او مظهرا للحق لوجوه منها: أن بعض الصحابة قال: والله ما هذا بفتح ، صددنا نحن وهَديُنا عن البيت ، ورد رسول الله A الى مكة رجلين مسلمين هجرا منها حين أقام بالحديبية كارها ، فقال A: « بل أعظم الفتح رأى المشركون منهم ما كرهوا ، وأذعنوا للصلح ، ورغبوا في الأمان اليكم ، أنسيتم يوم أحد { إذ تصعدون ولا تلوون } الآية أنسيتم يوم الأحزاب: { إذ جاءوكم من فوقكم } الآية » فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح ، والله يا رسول الله ، ما فكرنا فيما قلت ، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا .
ومنها: أنه تعالى أخبر به امتنانًا .
ومنها: أن بعض الصحابة وغيرهم بعد لم يحضر الفتح ، ففى هذا اخبار لهم .
ومنها: أن الحاضرين في الحديبية علموا الصلح ولم يعلموا أنه فتح ، أو علموا انه فتح ، ولم يعملوا عظم شأنه ، فأخبرهم الله تعالى بعظم شأنه ، ألا ترى الى ضمير العظمة .
ومنها: أنه تعالىأخبر بذلك ليبدلهم على أنه للمغفرة ، واتمام النعمة ، والنصر العزيز المذكور بعد ، ولا يصح ما قيل انه لازم الفائدة كقولك: قام زيد ، ليعلم سامعك أنك عالم بقيامه .
وسمى الصلح فتحا لاشتراك والفتح في الظهور ، لأن المشركين ابتدءوا به وسألوه ، وذلك ذل منهم ، قال الكلبى: ما سألوا الصلح الا بعد أن ظهر المسلمون عليهم ، وعن ابن عباس: رماهم المسلمون بالنبل والحجارة حتى أدخلوهم ديارهم ، وأيضا سمى فتحا لأنه سبب لفتح مكة .
قال الزهرى: لم يكن فتح اعظم من صلح الحديبية ، سمعوا كلام المسلمين ، وتمكن الاسلام في قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين من يومها خلق كثير ، قال مجمع بن حارثة الأنصارى: شهدنا الحديبية مع رسول الله A ، فلما انصرفنا عنها اذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض: ما بال الناس؟ فقال: أوحى الى رسول الله A ، فخرجنا نرجف ، فوجدنا النبى A واقفًا على راحلته عند كراع العميم ، فلما اجتمع الناس قرأ: « انا فتحنا لك فتحا مُبينا » فقال عمر: اهو فتح يا رسول الله؟ قال: « نعم والذى نفسى بيده » .
قال القرطبى: فتحو مكة بعشرة آلاف في السنة الثالثة ، وليس المراد فتح خيبر ، لأنه ذكر بعد ، ولا فتح مكة لذكره بقوله تعالى: { لقد صدق الله ورسوله الرؤيا } الخ وقيل فتح فارس والروم ، وما يفتح بعده على أيدى الصحابة ومن بعدهم ، كالمغرب الأدنى والأوسط والأقصى ، إلا أنه ما دخل أندلس من الصحابة إلا واحد اسمه المنيذ ، فالمضى لتحقق الوقوع ، ومزيد التبشير ، أو على ظاهره باعتبار ثبوته عند الله D في الأزل ، وفى اللوح ، وهكذا كل مضى في القرآن بحسب الامكان .