{ الَّذينَ } نعت للذين قبله ، لقيامه مقام ما ينعت أو بدله { يجْتَنبُون } المضارع للتجدد لا يزالون يجتنبونه { كبائر } كمطلق الزنى { الإثْم } اضافة خاص لعام هو الاثم { والفَواحشَ } عطف خاص على عام ، هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار ، أو بحليلة الساكن معه في الدار ، أو بالحرمة ، أو بحائض أو نفساء ، وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان ، وذكرا معا نظرًا الى تغاير مفهوميهما ، فمفهوم الفحش القبح ، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب ، وكل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة .
{ إلا اللَّمَم } الذنب الصغير ، والاسثناء منقطع لأن لفظ الكبائر الفواحش لا يشمله ، وعند سيبويه أن اللو ما بعده نعت لكبائر والفواحش ، ولم يشترط كما اشترط ابن الحجاب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور ، قلنا: لا داعى الى النعت في الآية ، وأصله ما قل من الشىء ، كما يقال: لمة اشعر لأنها دون الوفرة ، إلا أنه كل ما ظنه صغيرة ، لا ندرى لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترأ عليها ، لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء ، وبالصلاة ، وبرمضان ، وبالجملة ، وظاهر القرآن والأحاديث والخبار ما ذكر ، لا كما قيل: كل ذنب كبير وان الصغر ، والكبر بالنسبة ، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى: ليس فيما يعصى الله به صغير ، وذكر بعض: أن الصغائر تعرف ، وعن أبى سعيد الخدرى: أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة ، قلت: هى كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم ، وأنه يكحل عين الناظر بالنار .
وفى البخارى ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن النبى A: « أن الله تعالى كتب عن ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » فسمى كل ذلك زنى ، إلا أن زنى أكبر من زنى ، والأكبر يكون بالفرج ، وفى مسلم كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ، مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما البطش ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .
وعن بعض أنها الهمُّ بالذنب بلا فعل له ، وقد قيل: انه يكتب عليه الاهتمام اذا اشتد ، ولا يكتب أنه فعل ، ولا يكتب عليه إذا خطر في قلبه ولم يدم عليه ، وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه أو عصى به ، فهو كبير ، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه لا نفى الصغيرة ، وأخطأ من قال: اللمس المفاخذة صغيرتان ، لأنهما زنى ، وغير حفظ للفرج وللعورة ، فكيف يكونان صغيرتين ، وليست الكبائر محصورة في القرآن ولا في السنة ولا في الاجماع ، بل تعرف بالذوق الصحيح ، وكم كبيرة لا توجب الحد ، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد ، وكيف يحصر ما لا مطمع في ضبطه .