{ أمْ حَسِب } إضرابٌ انتقالى توبيخى انكارى الى بيان حال المسيئين وحال المحسنين بالايمان ، والعمل بعد بيان حال الظالمين والتقين أنهم لا يستوون ، وانما تغايرهم بعنون الظلم والاتقاء ، وكسب للسيئات ، والايمان ، والعمل الصالح ، والا فالمجترحون للسيئات هم الظالمون ، والمؤمنون العاملون هم التقون { الَّذين اجْتَرحوا } اكتسبوا ، ومنه تسمية الأعضاء جوارح ، وقولهم فلان جارحة أهله ، أى كاسب لهم ، وكلب الصيد وطائر الصيد جارحة أنه يكسب لسيده { السِّيئات } سيئات الشرك .
روى قومنا: أن عتبه وابنه الوليد وشيبة قالوا لعلى وحمزة والمؤمنين: والله ما أنتم على شىء ، ولئن كان ما تقولون حقا لحالنا أفضل من حالكم يوم القيامة ، كما هو أفضل في الدنيا ، فنزلت الآية ردًا عليهم ، ويؤخذ من ذلك حكم الموحد الفاسق ، والموحد الموفى فالفاسق في النار ، والموفى في الجنة ، ولا مانع من حمل الآية عليهما وعلى المشرك ، وعلى هذا ففيها زيادة اقناط المشركين اذا كان الموحد الفاسق في النار ، فالمشرك أولى بها ، وكذا إن حملت على الموحد المجتر للسيئات التائب ، والموحد الموفى ، ولا يعارض شمولهما قوله: { ساء ما يحكمون } إذ لا مانع من أن يقال للموحد المخطىء في حكمه: ساء ما يحكم ، وقد تمثل بالآية تميم الدارى ، والربيع بن خيثم ونحوهما للموحد الفاسق ، والموحد الموفى ، مع ابقائها في أهل الشرك ، أو حملوها على العموم فيها ، وفى المشرك ، أو فسروها بهما ، قال أبو الضحا: قرأ تميم الدارى سورة الجاثية ، فلما أتى على قوله: { أم حسب الذين } الخ لم يزل يبكى ويكررها حق أصبح عند المقام .
قال مسروق: قال لى رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الدارى ، ولقد رأيته ذات ليلة قائما لها حتى أصبح ، أو قرب أن يصبح ، يقرأ آية من كتاب الله D ، يركع بها ، يركع عنها أو يصلى بها ، لورود النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، أو جاز ذلك في النفل ، وروى ابن أيى شيبة ، عن بشير مولى الربيع بن خيثم: أن الربيع كان يصلى فمر بهذه الآية: { أم حسب } الخ فكررها حتى أصبح ، وكان الفضيل بن عياض اذا قرأها قال لنفسه: ليت شعرى من أى الفريقين أنت؟ وكان الخائفون يبكون لهذه الآية ، حتى انها تسمى مبكاة العابدين .
ويؤخذ بالقياس أن الموحد المستغرق في السيئات ، التائب لا يساوى العبد غير المستغرق فيها ، إلا إن كان أمر خارج أفضى الى المساواة أو العكس ، فان حاصل الآية مقابلة كل أحد بعمله ، إذ قال: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } .
{ أنْ نَجعَلهُم كالَّذين آمنُوا وعملوا الصالحات } فى دخول الجنة كلا ، لا يدخلها مشرك ، ولا يترك عقابه ، أو في استواء درجات الموحدين لا ، ومصدر نجعل مفعول به لحسب ، ولمنا اشتمل الفعل على المفسد والمسند اليه قبل التأويل بالمصدر اكتفى به عن المفعولين أو حذف الثانى وجوبا ، أى سواء جعلهم كالذين آمنوا ثابتًا ، وهكذا في مثل هذا المقام { سواء } خبر مقدم ، لأنه نكرة { مَحياهم } مبتدأ لأنه معرفة والهاء فيه وفى قوله: { وممَاتُهم } للذين اجترحوا السيئات وجاز أن تكون للمؤمنين ، وأن تكون للفريقين ، والجملة بدل من الكاف على أنها اسم ، أو من ثابتين بدل اشتمال بدل جملة من مفرد ، أجازه الفارسى وابن مالك ، ولا أقول بذلك ، بل نقدر الاستقرار فعلا ، أى يثبتون أو ثبتوا ، تكون الجملة بدلا من الجملة أو نبدلها من الجار والمجرور لنيابتهما عن الجملة المقدرة ، أو هذه الجملة مفعول ثان بعد مفعول ثان ، كما يتعدد خبر المبتدأ تقول: علمت زيدا علما عاقلا ، ولا مانع من أن يقال: نصيرهم كالذين آمنوا ونصير محياهم ومماتهم سواء .