{ وقالوا لجُلودهِم لِمَ شَهدتُم عليْنا } خصوا الجلود بالسؤال لكثرة أجزائها الشاهدة على صاحبها ، المدافع عنها ، فكنت شهادتها أعجب وأنسب للسؤال ، أو تخصيص ، بل الجلود يعم السمع والبصر ، بمعنى موضعهما ، وان أريد نفس قوة السمع والبصر لا محلهما ، فانما خصوا الجلود بالسؤال ، لأنها ترى بخلاف السمع والبصر ، بمعنى ما أودع في الجارحتين ، ولأن هذا المودع فيهما لا يدرك العذاب ، بخلاف الجلود فانها تدركه كما يشعر به قوله تعالى: { كلما نضجت جلودهم } الخ وصيغة العقلاء في شهدتم ، وقوله D:
{ قالُوا أنْطَقنا الله الذى أنْطَق كلَّ شىءٍ } لأن الله D جعل لها العقل ، أو لوقوعها فيما هو من شأ ، العقلاء ، وهو السؤال والجواب ، وقيل: ليس السؤال سؤالا ينتظر له جواب ، بل مطلق تعجب ، ومع ذلك أجيبوا بالنطق كنطق اللسان ، بأن شهادتنا ليست بأعجب من إنطاق الله الذى أنطق كل شىء ، والمراد بكل شىء كل ما نطق نطقا حقيقا ، كالملك والأنس والجن ، وما أنطق الله تعالى من الحيوانات ، مع ا ، لهن نطقا غير نطقنا ، وما أنطق الله تعالى من الجماد لا كل شىء على العموم ، وذلك كقوله تعالى: { والله على كل شىء قدير } فانه لا يقال: الله قادر نفسه ولا على المحال كما لا يقال عاجز عن ذلك ، وقوله تعالى: { تدمر كل شى ء بأمر ربها } فانها لا تدمر كل شىء على العموم .
{ وهو خَلَقَكُم أول مَرة وإليْه تُرجَعُون } فكيف لا يقدر على انطاقنا ، هذا آخر كلام الجلود ، أو آخره من الخاسرين ، وقيل آخره أنطق كل شىء ، وإذا كان هذا من كلام الله لا من كلامهما يقوله الله لهم يوم القيامة لقوم عاد وثمود ، أو لأهل مكة أو الكفرة كلهم ، فمعنى { إليه ترجعون } مع أنهم في المحشر رجوعهم اليه بالحساب والنار والخلود ، لا ما يشمل البعث ، الهم إلا باستحضار ما مضى من البعث ، وجعل المضارع للتجدد ، ويجوز أن يراد البعث الماضى استحضارا لصورته ، والواضح أن ذلك من كلام الجلود والبحث كذلك ، لأنها تقول ذلك بعد البعث ، وأما أن كان من كلام الله لكفار مكة أو للكفار مطلقا يوم القيامة فلا اشكال ، والمراد بالرجع البعث .