{ قَدْ نَعْلَمُ } تحقق علمنا أَو كثر ، كقول زهير في مدح أَبى حذيفة بن بدر:
أَخا ثقة لا يتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
أَى عطاؤه ، ومعنى كثر علم الله كثر أَجزاء معلومه إِذ علم من كل جزء وإِن دق ، والا فصفات الله ذاتية ، وهو لا يتصف بالأَجزاء ، أَو من أَقل معلوماتنا إِجزان الذى يقولون إِياك ، وذلك كما نفسر قد في قولهك قد يعلم ما أَنتم عليه ، وقوله: قد يعلم الله المعوقين ، بالتحقيق أَو بتكثير معلوماته من ذلكن أَو بتقليلها بالنسبة ، والتحقيق أَن قد مع المضارع بالوضع والكثرة والقلة إِنما هى من خارج ، وقيل هى للتقليل واستعمالها في الكثرة استعارة أَحد الضدين للآخر ، والأُولى في قول سيبويه أَن قد كرب أَنها بمعناها في التقليل ، { إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ } أَى الكلام الذى يقولونه ، أَو القول الذى يقولونه من أَنك ساحر أَو مجنون أَو شاعر أَو تتكلم بأَساطير الأَولين أَو يعلمك بشر ، { فَإِنَّهُمْ } علة لمحذوفن أَى لا تحزن لأَنهم ، أَو دم على الصبر لأَنهم { لا يُكَذِّبُونَكَ } مضارع أَكذب فهو من أَفعل الذى للوجودن أَى لا يجدونك كاذبًا ، أو للنسب ، أَى لا ينسبونك إِلى الكذب من قلوبهم ، بل من أَلسنتهم فقط ، أَو لا يصيرونك كاذبًا ، بل أَنت باق على الصدق ، وهذا في الجملة فإِن منهم من يكذبه من قلبه ، ومنهم من يكذبه بلسانه وقد علم صدقه من قلبه لكنه جحد كما قال { وَلَكِنَّ الظَّالِمِنَ بآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ } أَو لا يكذبونك لعلمهم بصدقك في طول عشرتك ، ولكن يقولون ما جئت به غير صحيح في نفسه ، ولست مفتريا له ، كما روى أَن أَبا جهل لعنه الله يقول: ما نكذبك وإِنك عندنا لصادق ، وإِنما نكذب ما جئت به ، تظن أَن مخبرك به صادق وليس صادقًا ، قيلك لكن تغير عقلك فقلت ما قلت لا بكذب منك ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، كما روى أَن الأَخنس قال لأَبى جهل لعنهما الله تعالى: ليس معنا ها هنا أحد فأَخبرنى عن محمد - A - فقال: والله إِنه لصادق وما يكذبك ، لكن إِذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فما لسائر قريش ، وكان الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف بن قصى بن كلاب يكذب النبى A علانية ويقول لأَهل بيته: ما محمد من أَهل الكذب ولا أَحسبه إِلا صادقًا ، ففى ذلك كله ونحوه نزلت الآية ، أَو لا يكذبونك في الحقيقة ، بل كذبوا آيات الله ، وذلك أَن الله صدقه بالإِ'جاز فكذبوا هذا التصديق فهذه نصرة له A ، إِذا كان مكذبه مكذبًا لله D ، وتضمن ذلك وعدًا بالنصر ، ولا يكذبونك بقلوبهم بل بأَلسنتهم ، ويجوز أَن يكون فإِنهم لا يكذبونك على ليحزنك ، أَى ليحزنك الذى يقولون من التكذيب ، لأَنه ليس تكذيبًا لك خاصة ، بل في تكذيبهم تكذيب لله ، كما روى أَنه لا يحزن لنفسه ولا يغضب لنفسه ، بل فيما كان لل جلا وعلا ، ويجوز أَن يكون الجحود التكذيب ، أَى ما كذبوك ولكن كذبوا آيات الله ، أَى تكذيبك ليس منحصرًا فيك ، بل فيه تكذيب الله في آياته ، وذلك كقوله تعالى: