{ وقال الَّذين كفروا لا تأتينا معشر الخلق السَّاعة } يوم القيامة ، وأردوا بنفى إيتانها نفى أن توجد بعد ، وعدم الوجود موجب لعدم الاتيان ، ففى ذلك تعبير بالمسبب واللازم ، عن السبب والملزوم ، واختاروا هذا مقابلة لقول من قال تأتى ، وقيل: استبطاء لاتيانها على طريق الهزء ، وهو ضعيف لأنه لم يقل: ألا تأتينا الآن بالاستفهام كما فى { متى هذا الوعد } ويجوز توجيهه بأنه كما يرجو الانسان شيئا ، ويقول على طريق الضجر لا يأتى ، وهم بهذه الصورة على طريق الهزء والعطف عطف قصة على أخرى .
{ قُل } لهم ردًا عليهم { بلى } أى ليست لا تأتى ، وأكد هذا بقوله: { وربِّى لتأتينَّكُم } ذكر الرب بالاضافة للاشارة الى الانتصار بمن هو ربه تعالى ينصره على من خالفه في قوله: لا ، للاشارة الى أن إيتانها من شأن الربوبية ، والقسم بمربيه تشديد للقسم { عالم الغَيْب } هو عالم الغيب ، أو مبتدأ خبره قوله: { لا يعْزب عنْه مثْقال ذرَّة في السَّموات ولا في الأرض } وذكر علم الغيب تأكيدا لقوله: { يعلم ما يلج } إلخ وأجزاء الميت المتفرقة لا تخفى ، فكيف لا يقدر على بعثه مع قدرته على الخلق من العدم ، والقرآن والأحاديث كالنصوص في رد ما فنى البتة حتى كان لا وجود له فنقلدهما في ذلك والمفهوم رد الموجود ، وقد صرح الحديث والآثار برد الشعور والجلود وغيرها من الأجزاء من أول خلقة الانس الى موته ، حتى قيل: ترد الأعراض والأزمنة مع الأجسام أيضا .
وفى ذكر عالم الغيب مناسبة لكون إيتانها من الغيب الذى اختص الله به D ، وهم عالمون أنه صلى الله عليه سولم صادق في الجملة ، متنزه عن الكذب ، وانما كذبوه عنادا وتكبرا عن أن تبعوه ، وأمره الله عزوجل باليمين مجاراة على ظاهر إنكارهم ، وإلا فالمناسب إذ علموا ذلك أن لا يقسم لهم ، لكن أقسم لأنم لم يجزموا في نفس البعث بأنه صادق فيه ، والمناسب للمنكر أن يجاب بالقسم ونحوه من التأكيد إلا لغرض آخر ، مثل أن تيأس منه فترد كلامه بلا تأكيد كأنك تقول هذا ثابت لا يحتاج الى تأكيد صدقت أو كذبت ، ولا يعزب لا يبعد ، ومن شأن البعيد أن يغيب ، فالمعنى لا يغيب عن علمه مثقال ذرة ، وهو ما يوازن الدقيقة الواحدة التى ترى في الشمس من كوة ، أو نملة صغيرة في الثقل ، وقوله: { في السموات ولا في الأرض } نعت لذرة ، والمراد بالأرض في هذه المواضع ونحوها الأرضون ، ولو لم أنبه عليه في كل موضع ما لم يدل دليل على هذه الأرض .
{ ولا أصْغَر من ذلك } المثقال { ولا أكبر } منه ، وأكبرية الذرة نسبية ، فان الذرة مثلا أكبر مما على عشرها أو أقل أكثر ، وأصغر مبتدأ خبره في قوله: { إلا في كتاب مُبِين } اللوح المحفوظ ، أو الضبط ، وكونهما في اللوح المحفوظ موجب لكونهما معلومين لله تعالى ، ويدل لذلك قراءة أخرى لنافع بفتح الراءين ، على أن لا عاملة إن وخبرها في كتاب ، ويجوز عطف أكبر وأصغر على مثقال بالرفع ، وعطفهما مع فتح الراءين على ذرة ، وعلى هذين الوجهين في يكون الاستثناء منقطعا ، والتقدير: لكن ما ذكر ثابت في اللوح المحفوظ .