{ وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } لا يعجز عن شئ ، كل ما سواه مغلوب له وذيل له ، والفوقية علو شأْن لا حس ، تعالى الله عن الجهة ، والجملة استعارة تمثيلية لعلو شأْنه تعالى ، والاستعارة في فوق بأَن شبه الغلبة بمكان محسوس ، وقيل: كنى عن القهر والعلو ، باغلبة ، وفوق متعلق بقاهر ، أَو حال من ضميره ، أَو خبر ثان ، وذلك عبارة عن كمال القدرة كما أَن قوله تعالى { وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ } عبارة عن كمال العلم ، فإِن الحكيم لا يكون إِلا عالما في تدبيره وأَمره محققا ، والخبير العليم ببواطنهم كظاهرهم سواء ، قال الجيلانى: من أَراد السلامة في الدنيا والآخرة فعليه بالصبر والرضا وترك الشكوى إِلى خلقه ، وإِنزال حوائجه بربه D ، ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه تعالى ، والانقطاع إِليه ، فحرمانه عطاءَ ، وعقوبته نعماء وبلاؤه دواء ووعده حال ، وقوله فعل ، وكل أَفعاله حسنة وحكمة ومصلحة ، غير أَنه D طوى علم المصالح عن عباده وتفرد به ، فليس لك إِلا الاستقلال بالعبودية من أَداءِ الأوامر واجتناب النواهى والتسليم في القدر وترك الاشتغال بالربوبية والسكوت عن: لم وكيف ومتى ، ولما قال أَهل مكة: يا محمد أَرنا من يشهد أَنك رسول الله فإِنا لا نرى أَحدًا بصدقك ، ولقد سأَلنا اليهود والنصارى فأَنكروك وقالوا ليس لك عندهم ذكر ولا صفة نزل قوله تعالى:
{ قُلْ أَىُّ شَئٍْ أَكْبَرُ شَهَادَةً } أَى موجود من الموجودات ، فإِن الشئَ يطلق على من وجد وفنى أَو يفنى أَو سيوجد لا علَى غير ذلك وأَصله مصدر شاءَ ، أَى ما شاءَ الله وجوده أَو ما شِئَ وجوده { قُلِ اللهُ } أَى هو الله ، أَى إِن الشئَ الأَكبر شهادة هو الله ، والله هو ، أَى الله ذلك الأَكبر شهادة لا محيد لهم عن أَن يقولوا هو الله ، فقله أَنت ، أَو قلة إِن لم يقولوه على حد ما مر فى { لمن ما في السموات والأَرض قل لله } وذلك هو الجواب ، وقوله { شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } خبر لمحذوف ، أَى هو شهيد بينى وبينكم ، وهو تقرير لقوله: قل الله ، وبيان لمتعلق الشهادة بعد إِجمالها ، سألهم عن الأَكبر شهادة في مطلق الأَخبار ، وأَجاب الله إِجمالا وفصل بهذا بأَنه تعالى شهيد بينه وبينهم بالرسالة لنبيه محمد A ، ويجوز أَن يكون الله شهيد مبتدأ وخبر كجواب من حيث المعنى؛ لأَنه إِذا كان الله شهيدا فهو الأَكبر شهادة عندهم أَيضا الذى سأَلوا عنه ، أَو أَجاب بما هو أَليق بالسؤال عنه ، ويسمى الأسلوب الحكيم ، وشهادة الله D إِخبار بأَنه رسول A ، واقتصر على ذلك في الجواب لأَنه حق واضح لا محيد عنه مفهوم عند بعضهم مجحود ، وسهل الإِدراك لمن استعمل نظره ، والقرآن معجز أَيضا لم يقدروا على معارضته ، أَو بشهادة الله D معجزاته ، فإِن الإِعجاز كما يكون بالقول يكون بالفعل ، لأَن حقيقته ما بين به المدعى بل بيانه بالفعل أَقوى منه بالقول لعروض الاحتمال في القول لأَنه من باب العيان والقول من باب الأَخبار ، ولو كان في التشريع أَقوى من الفعل لأَنه يعدو القائل ، فالاحتجاج بقول عالم أَقوى منه بفعله ، وكرر بين لتحقيق المقابلة ، ولو شاءَ لقال بيننا ، وفى الآية تسمية الله شيئا لأَنه في جواب أَى شئ ، لكن يقال شئ لا كالأَشياء ، أَو لا كسائر الأَشياء ، والحق أَن الشئَ يطلق على ما وجد في الحال وفى الماضى وفى المستقبل ، وما ليس من ذلك لا يطلق عليه الشئ إِلا مجازا ، وكذا في قوله تعالى