{ ثُمَّ بَعَثْنَا } أَرسلنا { مِنْ بَعْدِهِ } بعد نوح { رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ } كل رسول إِلى قومه ، والمراد الذين قبل موسى لقوله تعالى ثم بعثنا إِلخ وإِضافة القوم للحقيقة ، فيصدق بأَقوام كقوم هود وقوم صالح وقوم إِبراهيم وقوم لوط ، والمراد بالرسل ما يشمل الأَنبياءَ بلا رسالة من إِطلاق الخاص وإِرادة العام { فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } المعجزات الواضحة في نفسها وفى دلالتها على وضوح الرسالة والنبوة ، والمشهور في نوح رسالته إِلى أَهل الأَرض كله وقيل لبعضها وهم أَهل دعوته ورجحه بعض واختار أَهل الصين ، إِن الصين لم يغرق وإِن الغرق لم يعم الأَرض وقيل عم من لم يرسل إِليه ، لأَنه تعالى له أَن يفعل ما شاءَ ، والصحيح الأَول إِلا أَنه روى أَنه بعد نزوله من السفينة سار في الأرض فوجد قومًا لم يغرقوا ، فقال لهم: ما شأْنكم ، فقالوا: إِنا مسلمون . ما قلت في دعائِك؟ قال قلت: رب لا تذر على الأَرض من الكافرين ديارًا . فقالوا: نحن لسنا كافرين . ولا يخفى أَنه نبى الكل بعد الغرق ضرورة فقيل إِجماعًا . قلت: لا ضرورة ولا إِجماع لذلك القوم الذين لم يغرقوا ، فإِن الظاهر أَنهم على الحق بدون نوح ، وعند قومنا المشهور اختصاص نبينا A بالبعث إِلى الخلق كلهم على الإِطلاق بلا قيد وقد يقال أَنه بلغت إِلى الأَنبياءِ قبله ، الباءُ للمصاحبة أَو للتعدية ، وكأَنه قيل أَجاءَهم البينات الهاءُ لمفعول ثان مقدم أَى صير البينات جائِيتهم { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا } اسم موصول ، والرابط هاءُ بعد أَو حرف موصول والهاءُ للحق { كَذَّبوا بِهِ مِن قَبْلُ } قبل بعث الرسل إِليهم لشدة شكيمتهم شدة تختص بالشقى ، والباءُ الأُولى للسببية ، والمعنى بسبب تعودهم تكذيب الحق ، وهى متعلقة بما النافية لأَن المعنى انتفى الإِيمان بسبب تكذيبهم الحق من قبل بعثة الرسل إِليهم ، وقيل واو كذبوا لقوم نوح { كَذَلِكَ نَطْبَعُ علَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينش } مثل ما ذكر من انتفاءِ إِيمانهم نطبع على قلوب المعتدين ، أَى نختم عليها ، وإِن شئْت فقل مثل ذلك الطبع على قلوبهم فلا تقبل الإِيمان لأَن القضاءَ بعدم الإِيمان طبع ، ويجوز أَن يراد بالمعتدين من ذكر قبل فشأْنه الإِضمار ، وأَظهر ليصفهم بالاعتداءِ المشعر بالانهماك في الضلال واتباع المأْلوف ، وفى الآية أَن الأَفعال بقدرة الله وكسب العبد ، وهى مخلوقة لله D وليس تفسيرنا الطبع بالخذلان منافيًا لقولنا إِن الأَفعال مخلوقة لله D .