{ ثُمَّ أَفِيضُواْ } منها يا قريش ومن يكون معهم ، والمفعلو به محذوف أى أنفسكم { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } سائر العرب والعجم أنفسهم ، أو أفاض في الموضعين موافق فاض ، فهو لازم ، والمراد الإفاضة من عرفات ، والخطاب لقريش ، والحكم عام ، لأن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم ، وقيل الضمير للعموم لا لقريش خاصة ، فيدخلون بالأولى ، قيل وهو أوضح ، لأن الضمائر قبل وبعد للعموم ، قلت يناسب خصوص قريش عموم إفاضة الناس وأنهم الذين لا يفيضون كما يفيض غيرهم ، وقيل الناس إبراهيم ، لأنه أبوهم والمعروف بالمناسك ، وكرر الإفاضة من عرفات للتأكيد وليبين لهم أنهم ليسوا أولى من غيرهم ، بل هم وغيرهم سواء ، وإنما الشرف بالتقوى لا بالنسب والمكان ، وكانوا يقولون نحن من ولد إبراهيم ، إنا سكان الحرم وأهل الله فلا نخرج منه فيقفون بالمزدلفة منه وسائر الناس يقفون بعرفات خارجة عنه ، أو أل للكمال أى أفاض الناس الكاملون في شأن الوقوف ، وهم الذين يقفون في عرفات ، فذلك ذم لقريش ومن ينجو نحوهم ، ترفعوا فجازاهم الله بأنهم دون غيرهم لأنهم خالفوا موقف إبراهيم عليه السلام وغيرهم وافقه ، وثم للترتيب في الرتبة لا في الزمان ، يعنى أن الإفاضة من عرفات هى العالية لا الإفاضة من المزدلفة للواقف فيها دون عرفات ، وقيل الإفاضة الثانية من المزدلفة إلى منى بعد الوقوف في عرفات ، وهو قول جماعة ، وعليه الضحاك ، ورجحه الطبرى ، فيكون الخطاب للناس كلهم وقريش وغيرهم ، أو لهم وفى حكمهم غيرهم ، فالترتيب في الزمان على أصله ، أى من حيث أفاض الناس ، الأوائل فيكم من لدن آدمن ومن لدن إبراهيم عليهما السلام لا تغيروه كما غيرته جاهليتكم إذ كنتم من قبل الهدى ضالين { وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ } من ضلالكم وتغييركم المناسك ، وفيه دليل أن الكفار مخاطبون بالفروع وأنهم مؤاخذون على الذنوب { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن آمن واستغفر .