{ ألم يَرُوا } ألم يعلموا { كم أهْلكنا قَبلهُم مِن القُرون } كم مفعول لأهلكنا ، والجملة مفعول ليروا ، قامت مقام مفعولين ، علقت بالاستفهام التوبيخى ، وقيل: كم خبرية ، وهى أيضا معلقة لفعل القلوب ، ويدل للاستفهام قراءة ابن مسعود: ألم يروا من أهلكنا ، لكن لا مانع من كون من موصولة مفعولا أولا ، وأنهم لا يرجعون مفعولا ثانيا ، والجملة على كل حال هى بمنزلة المفرد ، ولذلك أبدل منها مفرد بدل اشتمال في قوله D: { أنَّهم إِليْهم لا يَرجعُون } وهو المصدر من معنى لا ، أى انتفاء رجعوعهم اليهم ، والآية الأولى للمهلكين ، والثانية لأهل مكة أو للعباد ، قيل: معنى التخويف بأنهم لا يرجعون اليهم في الدنيا إن أهلاكنا إياهم إهلاك لا يرجى الرجوع معه ، وفيه أن الموت مطلقا لا يرجى معه الرجوع إلا شاذا ليس في أذهانه أهل مكة .
وقيل: بتقدير لام التعليل للرؤية أو للاهلاك ، ولا معنى لهذا صحيح ، وقبل المعنى على البداية التهكم بهم أو الحصر بتقديم اليهم ، أى ألم يروا أنهم يرجعون إلينا لا إليهم ، ولا صلة وفيه أنهم لم يؤمنوا بالبعث ، فكيف يخاطبون بهذا ، اللهم إلا أن يراد أنه لما تحقق أمر البعث ، وظهرت دلائله صح أن يقال: ألم يروا أنهم يبعثون ، وكم وما بعدها مبدل منه ، والبدل أنهم لا يرجعون ولا صلة ، أى ألم يروا أنهم يرجعون ، كما أنه لما تحقق عند القليل أن محبوبته دائما طيبة الرائحة بغير استعمال ، خاطب من لم يشاهدها بقوله:
ألم تريانى كلما جئت زائر ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقيل: الأولى لهم والثانية للرسل ، واللام للتعليل ، أى أهلكناهم لعدم رجوعهم الى ما يقول الرسل ، ولا ركة فيه كما قيل ، إلا أنه إهلاك كذلك ، فكيف يعظهم به ، ولا وجه لبدل الكل ، لأن انتفاء الرجوع ليس نفس الاهلاك ، بل مترتب عليه ، ولا وجه لقول ابن هشام: إن المعنى استأصلناهم بعدم الرجوع .