{ وَأَنْفِقُواْ } أموالكم على أنفسكم ، أكلا ولباسا لتقووا على الجهاد ، وفى شراء الخيل ونفقتها ، وآلتها للجهاد وشراء السلاح ، وللزاد ، وتجهيز الغزاء بقدر ما تطيقون ، وفى صلة الرحم والمحتاج والحج والعمرة . وأهل الحاجة والعيال وجميع المصالح الدينية وكل ذلك في سبيل الله كما قال { فِى سَبِيلِ اللهِ } ولو كان يتبادر هذا اللفظ في الجهاد فيراد الكل ولو كان المراد بالذات في المقام الجهاد ، والآية أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالجسد { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } لا تطرحوا أيديكم أو تفضوا بأيديكم ، وسمى الطرح إلقاء لأنه تصيير الشىء ، يلقى أى يصادف ، والأيدى الأجساد لأنها بعضها الذى تدفع به وتجلب غالبًا ، وأقوى ، أو لا تلقوا أيديكم منتهية أو منتهين { إِلَى التَّهْلكةِ } أى الهلاك أى المضرة الدنيوية وهى القتل ، والأخروية وهى عذاب النار ، ولا مصدر على هذا الوزن إلا تضره ولا تسره بمعنى الضرر والسرور فهن ثلاثة ، وقيل الضم بدل من الكسر ولا داعى إلى إبدال الثقيل بالأثقل ، وأما الجوار بالضم فلغة في الجوار بالكسر لاتقل مع أن الضم أنسب بالواو ، وأيضًا الفعلة بالكسر مقيس في معلّ اللام ، سماع في الصحيح ، كتجربة وتكملة ، وقيل الهلاك ما يمكن التخلص منه والتهلكة ما لا يمكن التخلص منه ، وزيادة الباء في المفعول به قليلة ، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة ، أى باختياركم فتأخذ التهلكة بها وتقبضها ، فذكر الأيدى إشعار بالاختيار ، وحذف المفعول ، أو لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم ، كما يقال في العاجز ألقى بيده إلى عدوه ، فإنك إذا تركتم الجهاد أو الإنفاق فيه أهلككم العدو بالقتل والتغلب ، إذا تركوا الإنفاق في الجهاد ضعف الجهاد فيئول إلى تركه وإلى غلبة العدو عليهم وقتلهم ، قال أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهلنا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت الآية ، فيتحتمل أن سببها ما ذكره فتشمل بعموم اللفظ الإمساك عن الإنفاق ، ولحب المال وذلك هلاك أخروى ، وقد سمى البخل هلاكا لأنه سبب الهلاك ، ويشمل الإسراف حتى يبقى بتكفف ، ففى الإنفاق طرفان مذمومان ، إفراط وهو الإسراف ، وتفريط وهو الإمساك ، نهى عنهما بقوله ، وقاتلوهم ، وفى رواية قالت الأنصار فيما بينهم: إن الله قد أعز دينه وكثر ناصره فلو قلنا له A نقيم لإصلاح ما لنا وتدارك ما ضاع منها فنزلت الآية ، واستدل بالآية على تحريم الإقدام إلى ما فيه الهلاك ، وعلى جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين ، وفسر بعض التهلكة بالدخول في وسط العدو ، وفسر بالبخل ونحو ذلك مما مر ، والعبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو اشتغال الأنصار بأموالهم كما مر ومن مثل لها بمسلم دخل في صف الروم وحده بعده A لم يخطأ إلا إن قصرها على مثله { وَأَحْسِنُواْ } بالإنفاق ، لا تتركوه ولا تسرفوا ولا تجعلوه في المعصية ، بل على أهلكم وقرابتكم وأهل الحاجة ، وفى الجهاد في سبيل الله وبأعمالكم وأحلاقكم { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } أى يثيبهم على إحسانهم أو يعطيهم الخير ، لأن من لازم الحب في الشاهد فعل الخير .