{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ } رحمته وطمأنينته بمشاهدة أَمارة النصر في شأن من لم يهرب ومشاهدة الملائكة في شأنه A ، واستحضار أَن وعد الله حق في حق المنهزمين ، سماها سكينته لأَنهم يسكنون بها ويأْنون ، وهى سبب للسكون وزوال الاضطراب والخوف عن المؤمنين ، وبالنسبة إِليه A السكينة منع عروض الخوف { عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } أَعاد على بيانًا للفرق بين حال رسول الله A وحال المؤمنين فإِنه لم يضطرب ولم يقلق فإِنزال السكينة عليه إِبقاء على أَمنه . وعلى المؤمنين إِزالة خوفهم واضطرابهم ورجوعهم من الانهزام ، والمؤمنون من بقوا معه ومن بعد عنه ومن فر . وقيل: المراد بالمؤمنين الذين بقوا معه ، وإِعادة على لما فيهم من خوف أَو لعقوبة إِنزال السكينة فيهم . والمراد إِنزالها على المؤمنين . وذكر الرسول للتبرك . ولما رجعوا للقتال أَعانتهم الملائكة كما قال D { وَأَنْزَلَ جُنُودًا } ملائكة { لَمْ تَرَوْهَا } بأَبصاركم ، ورآها المشركون ليذلوا وحجب الله عنها أَبصاركم لئلا تتكلوا عليها . وهى خمسة آلاف { يمددكم ربكم بخمسة آلاف } قاله سعيد بن جبير ، ولعله قياس على يوم بدر ، وقيل ثمانية آلاف { أَلن يكفيكم أَن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف } فالخمسة والثلاثة ثمانية . وقيل ستة عشر أَلفًا . قال سعيد بن المسيب: حدثنى رجل من المشركين أَسلم: إِنا سقنا المسلمين ولم يمكثوا حلب شاة ، لما انتهينا إِلى صاحب البغلة البيضاء تلقانا رجال بيض الوجوه ، فقالوا: شاهت الوجوه ، ارجعوا فرجعنا ، فركبوا أَكتافنا . قال البراء بن عازب: عدد العسكرين عسكر المؤمنين اثنا عشر أَلفًا ، وعدد الكفار أَربعة آلاف ، والذى لا إِله إِلا هو ما ولى رسول الله A قط . ورأَيته وأَبو سفيان آخذ بركابه والعباس آخذ بلجام بغلته دلدول ، يقول: أَنا النبى لا كذب ، أَنا ابن عبد المطلب . ويركض نحو العدو ، وما مر آنفًا عن سعيد بن المسيب يدل على أَن الملائكة قاتلوا يوم حنين ، بل روى عنهم أَنهم قاتلوا . وقيل: ما قاتلوا بل أَرعبوا المشركين وأَلقوا في قلوب المؤمنين الخواطر المحسنة ، وصححوا أَن الملائكة لم تقاتل إِلا يوم بدر . وعن شيبة بن عثمان: استدبرت رسول الله A يوم حنين أَريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن أَبى طلحة قتلا يوم أَحد فأَطلعه الله D على ما في نفسى فالتفت إِلى فضرب في صدرى فقال: « أَعيذك بالله يا شيبة » ، فارتعدت فرائصى فنظرت إِليه وهو أَحب إِلى من سمعى وبصرى ، فقلت: أَشهد أَنك رسول الله ، قد أَطلعك الله تعالى على ما في نفسى ، ولما هزم المشركون بوادى حنين أَدبروا أَو نزلوا بأَوطاس ، وبها عيالهم وأَموالهم وبد ساقوها معهم ليشتدوا في القتال ، أَرسل أَبا عامر الأَشعرى على جيش إِليهم وقاتلوهم ، وهرب أَميرهم مالك بن غوث إِلى الطائف وتحصن فيه ، وأَخذوا ماله ومال غيره وأَسروا ستة آلاف ، وقتل في ذلك أَمير المؤمنين أَبو عامر رضى الله عنه ، وحاصر A الطائف بقية شوال ، ولما دخل ذو العقدة ارتحل عنهم ، وعمائم الملائكة يوم حنين عمائم حمر مرخاة بين أَكتافهم { وَعَذَّبَ الِّذِينَ كَفَرُوا } بالقتل من المسلمين ، قيل: ومن الملائكة .