{ إِنَّى أنا ربك } مستأنف أو مجموع الى قوله: { يا موسى } أى قيل له ذلك ، ويقال: لما نودى قال: من المتكلم؟ فإنى أسمع صوتك ولا أدرى أين أتت؟ قال: أنا فوقك وأمامك ، وخلفك ، وأقرب إليك منك ، فعلم أن الكلام من الله تعالى ، وكان يسمعه بأذنيه وبطنه ، ويديه ولسانه ، وعينيه وبدنه ، وداخله والمتكلم بذلك ملك يقول عن الله بأمره تعالى كما ينزل جبريل بألفاظ التوحيد وغيرها معن الله D ، أو خلق الله الكلام في الشجرة أو في الهواء أو في بدن موسى ، كما روى أنه سمعه بجميع جسده ، ومن جميع الجهات ، أخطأ من قال: إنه سمع ألفاظًا تلفظها الله ، لأن ذلك من صفات المخلوق والمحدود الحال .
ومن قال: إنه أسمعه الكلام النفسى الذى ليس بحروف ولا أصوات ، لأن الحق أن الكلام النفسى غير ثابت ، نؤمن بالله وبما أنزل وننكر التشبيه ، ولو ثبت الكلام النفسى فكيف يسمع ما ليس بصوت ، ولو قالوا: إن الله D ألفى في موسى معانى تلك الألفاظ بلا تلفظ من لافظ كسائر الإلهام ، لكفى خروجًا عن وصف الله بما ليس له ، ويكفى ما ذكرت من الأوجه ، في أنه سمى كليمًا ، إذ تلك الكيفية لم تقع لغيره .
{ فاخْلَع نعْلَيك } لأنهما من جلد حمار ميت غير مدبوغ ، وهما طاهرتان بإزالة الودك ، قال الترمذى ، عن رسول الله A: « كان على موسى عليه السلام يوم كلمه ربه كساء وجبة وقلنسوة وسراويل من صوف ونعلاه من جلد حمار » وعن الحسن وغيره: « من جلد بقرة ذكيت » وللتواضع والأدب كما كان السلف يطوفون بلا خف ، وأمره A بالصلاة في النعل لمخالفة اليهود ، فإذا علموا بالمخالفة وشهرت ، فالصلاة بدونها أفضل ، ولتنال قدما موسى بركة تلك الأرض .
ويبعد أن المراد بنعليه المال والولد ، وكل ما سوى الله تعالى كناية عن إفراغ القلب ، والفاء سببية ، فالأنسب الخلع للإعظام ، والأدب تفريعًا على قوله: { إنى أنا ربك } كما أن قوله D .
{ إنَّك بالواد المقدَّس } تعليل للخلع ، أى لأنك بالوادى المقدس وهذا تعليل بشرف الوادى ، وهذا كما تقول إنِّى أبوك فلا ترفع صوتك على أنى ربيتك ، ولما أمر بخلعهما ألقاهما وراء الوادى { طُوًى } علم للوادى ممنوع الصرف للعلمية والعدل كعمره ، كما قيل: إنه واد عميق مستدير ، كأنه شىء طوى ، فهو من الطى ، فهو عربى كأنه اطوى نفسه لالتوائه ، وقيل: للعليمة والعجمة بدل من الوادى ، أو بيان ، وقيل: رجل بالعبرانية منادى أى يا طوى أى يا رجل ، وليس ألفه للتأنيث ، لأن ألف التأنيث زائدة رابعة فصاعدًا ، أو هذه لام الكلمة .