{ وَهُمْ } أَى المشركون { يَنْهَوْنَ } الناس { عَنْهُ } عن القرآن ، أَن يؤمنوا به { وَيَنْأَوْنَ } يبعدون أَنفسهم { عَنْهُ } عن القرآن أَو الرسول عن أَن يؤمنوا به ، أَو هم ينهون عن رسول الله A أَن يضره أَحد ، وينأَون يبعدون عن تصديقه ، وذلك كأَبى طالب يرد السوءَ عن رسول الله صلى الله عليه سولم ولا يؤمن به ، واجتمع إِليه رؤساء قريش ، وقالوا له: خذ شابًا من أَصحابنا وجيهًا وادفع إِلينا محمدًا ، فقال: ما أَنصفتمونى أَدفع إِليكم ولدى لتقتلوه وأربى ولدكم ، واجتهد النبى A أَن يؤمن وينطق بالشهادتين فيجادل له عند الله فأَبى ، واعترف أَنه A على الحق ولكن يخاف أَن يسبه قريش ، وقال في مرض موته أَنه يموت على دين الأَشياخ ، فمات عليه ، وهو دين أَشياخ قريش ، وقال: لولا أَن يعيرنى قريش لأَقررت عينك بما تحب من الإِيمان ولكن أَدب عنك ما حييت ، وقال:
والله لن يصلوا إِليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأَمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونًا
ودعوتنى وزعمت أَنط ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أَمينا
وعرضت دينا قد علمت بأَنه ... من خير أَديان البرية دينا
لولا الملامة أَو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحًا بذاك مبينا
والوجه الأَول أَولى وهو أَنهم ينهون عن تصديقه غيرهم ، ويبعدون عن تصديقه ، وأَما الثانى أَنهم ينهون عنضره ويبعدون أَنفسهم عن تصديقه والإِيمان به فيضعف بأَن فاعل ذلك أَبو طالب ولا يحسن جمعه تعظيمًا له لفعل ما لا يستقل به وحده كما قيل به ، وقيل هو وتسعة إخوة له كلهم أَعمام النبى A كانوا أَشد الناس له نفعًا في العلانية ذبا على نسبهم ، وبأَن ما قبل ذلك من الآيات في ذم طريقتهم ، فليكن هذا كله في ذمها ، لا في ذمهم بانأى عن تصديقه ومدحهم بالنهى عن ضره ، لكن لا بأس بالذم بالمجموع مشتملا على شئ هو مدح ، وبأَن ما بعد ذلك أيضًا في ذمهم وهو قوله تعالى { وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ } بالنهى عن تصديقه ، وبالبعد عنه لأَن وبال ذلك راجع عليهم ، ولا يخفى أَن هذا أَولى من أَن يقال: وإن يهلكون إِلا أَنفسهم بالبعد عن تصديقه ، ولو لم يهلكوها بالنهى عن عن ضره ، ولو كان وجهًا عبر بلا إِهلاك إِشهارًا بأن مرادهم إِهلاكه بالكلية لا منع الناس عنه فقط ولا مطلق الضر { وَمَا يَشْعُرُونَ } بإِهلاكهم أَنفسهم بذلك ، وأَن ضرره يرجع عليهم لا ينالك ضرهم ولا ينال القرآن ، وشرح إِهلاكهم أَنفسهم بقوله .