فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 6093

{ وَلاَتُؤْتُوا } الخطاب للأَولياء ونحوهم من الأوصياء والأزواج والوكلاء والمحتسبين { السُّفَهَآءَ } الأطفال والمجانين والبله ، ومن يضيع ماله أو ينفقه في المعصية ، أو لا يقوم به من الرجال أو النساء فسفههم سوء ، فعلهم لخفة عقلهم { أَمْوَالِكُمُ } أى أموالهم ، ولكن أضافها للأولياء المخاطبين ونحوهم لأنهم امروا أن تكون تحت أيديهم ويحافظوا عليها كأموالهم ويخرجوا زكاتها ، أى لا تتركوها تحت أيديهم إن كانت عندكم فأمسكوها وإلا فخذوها حفظًا لها وذلك يناسبه أن الكلام قبل وبعد في اليتامى فألحق بهم أمثالهم ، وقيل الخطاب لأصحاب الأموال ، نهوا أن يؤتوها لمن ذكر فيفسدوها ، ويكونوا يطالبونهم بما يحتاجون إليه منها كأنهم غير مالكين لها ، وأمروا بإمساكها وإقامتها والإنفاق منها بما شاءوا عليهم من العدل ، ولا يرد على هذا القول بأن النهى للتحريم ، ولا يحرم عليه أن يعطى من ماله لهؤلاء ، لأن صاحب هذا القول يفسر الإيتاء بالتمكين من المال لا بالتمليك ، نعم القول المعروف المأمور به في الآ ية يناسب كون الخطاب للأَولياء ، ونحوهم { الَّتِى جَعَلَ اللهُ } جعلها الله { لَكُمْ قِيَامًا } أى من جنس أموالكم التى تقوم بحياتكم ، وذلك أن الخطاب لنحو الأولياء ، والمال لنحو اليتامى ، لا للأَولياء ، وفيه تأكيد الحفظ ، كما يحفظ الرجل مال نفسه ، أو يقدر جعل الله مثلها لكم قيامًا ، وكأنها قيم لهم مع أنها قيم لنحو اليتامى ، وإن جعلنا الخطاب لأصحاب الأموال فالمال مالهم ، وهو قيم لهم ، وسمى ما به القيم قيما ، مبالغة في السببية ، حتى كأنها نفس القيام ، أو هو اسم لما يقام به ، والأصل قومًا كعوض وحول ، لكن أعلت حملا على قيام ، وقيل هو قيام حذفت ألفه { وَارْزُقُهُمْ فِيهَا } أى منها ، أو اجعلوها مكانًا لرزقهم ، أى اجعلوا لهم فيها رزقًا بالتجر فلا تفنى ، لكون الرزق من أرباحها ، كما جاء عنه A الأمر بالتجر بأموال لايتامى ، وهذا أولى من الوجه الأول ، وهو كون في بمعنى من الابتدائية ، أو التبعية { وَاكْسُوهُمْ } منها ، أو اجعلوها مكانًا لكسوتهم بالتجر على حد ما مر { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا } يعرف شرعًا بالحسن ، فيتبعه العقل السليم ، وهو ضد المنكر ، مثل أن يقول: إن ربحت في سفرى أو غنمت في غزوتى أعطك كذا ، أو حظَّا ، وأن هذا المال مالك إذا بغلت حين القيام به أرده إليك ، ونحو ذلك من الوعد الجميل والقول الحسن ، و منه أمره بالمحافظة على الصلاة ، وسائر الدين ، وترك الإسراف ، وأن عاقبة المسرف الاحتياج إلى الناس ، وروى أن رفاعة مات وترك ابنه صغيرًا ، اسمه ثابت ، فقال عمه: يا رسول الله ابن أخى يقيم في حجرى ، ما يحل لى من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزل قوله تعالى:

{ وَابْتَلُوا } اختبروا { اليَتَامَى } قبل البلوغ ببيع ما قل ، وشراء ما قل ، وبيع الطفلة عزلها ونحوه مما قل ، وشراء مثل ذلك ، أو بقوله على تبيع كذا بكذا أو تشتريه بكذا ، أو يعقد بيعًا أو شراء ويحضر له ، فيقول له: هل يصلح هذا فيمضى البيع ، لأن الولى أذن له خلافًا للشافعى فإنه يوقفه على إمضاء الولى ، ولا يشترط اختباره في دينه خلافًا للشافعى { حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } حد النكاح ، وهو البلوغ بإحدى علامات البلوغ ، فإن لم تكن فخمس عشرة سنة عندنا وعند الشافعية ، لقوله A: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود ، أو الطفل أربع عشرة ، والأنثى ثلاث عشرة ، وزعم أبو حنيفة أن مدة البلوغ الذكر ثمانى عشرة سنة والأنثى سبع عشرة ، وله قول كقولنا تفتى به الحنيفة ، وتمسك لقوله الأول بقوله تعالى: حتى يبلغ أشده ، إذ قال ابن عباس: أشده ثمانى عشرة ، وحتى للابتداء والتفريع ، ولا تخلو عن غاية { فَإِنْ انَسْتُم } أبصرتم { مِّنْهُمْ رُشْدًا } صلاحًا في المال عندنا ، ويدل له قوله: واتبلوا اليتامى ، فإنه في المال ، قال الشافعى: وفى الدين { فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } فالاختبار قبل البلوغ والدفع بعده ، وبعد الإيناس ، وإن بلغوا ولم يؤنس رشدهم لم يدفع إليهم أموالهم ولو بلغوا خمسًا وعشرين سنة أو أكثر ، وزعم أبو حنيفة أنه لا يدفع إليهم أموالهم ولو أونس رشدهم ما لم يبلغوا خمسًا وعشرين ، وإذ بلغوها دفعت إليهم دفعت إليهم ولو لم يؤنس رشدهم ، لما روى عن عمر رضى الله عنه: ينتهى لب الرجل إذا بلغ خمسًا وعشرين ، ولا تدفع لهم قبل البلوغ ولو أنس رشدهم ، وإن بلغوا ورشدوا وأرادوا أن لا يأخذوا جاز إمساكها إذا كان باختيارهم ، لا خوفًا ولا مداراة ، وزاد سبعًا على مدة البلوغ عنده ، لأن السبع معتبرة في تغير أحوال الإنسان ، كقول A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت