{ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الجَنَّةَ } شبه بذلهم أَنفسهم في الجهاد على رجاءِ الثواب ببيع الشىءِ وقبوله ، وإِعطاءِ الجنة على ذلك بالشراء على الاستعارة التمثيلية لا المفردة التبعية إِلا أَنه قال بأَن لهم الجنة ولم يقل بالجنة لأَنه أَبلغ في وصول اثمن واختصاصه بهم ، ولم يقل باع لهم الجنة بأَنفسهم وأَموالهم ، لأَن المقصود في العقد الجنة والأَنفس والأَموال وسيلة إِليها ففى ذلك كمال العناية بأَنفسهم وأَموالهم ، وذلك كناية للإِقراض إِليه فإِن كل شىءٍ مملوك لله D ، وفى الاية استعارة تمثيلية ، قال عبدالله بن رواحة في العقبة من سبعين رجلا: اشتطر لربك ولنفسك ما شئت ، قال أَشترط لربى أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ، وأَشترط لنفسى أَن تمنعونى مما تمنعون منه أَنفسكم وأَموالكم . قال: إِذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة . قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزل { إِن الله اشترى } الآية ، والعقبة الثانية لقيه فيها اثنا عشر بايعوه بيعة النساءِ لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أَولادنا ولا نأْتى بهتانا ولا نعصى في معروف ، وبايعوا في العقبة الأُولى ستة حضروا بأَنفسهم مع ستة أُخرى في الثانية إِلا جابر بن عبدالله بن رياب رضى الله عنه لم يحضر في الثانية ، وقال ابن إِسحاق في الثالثة ثلاثة وسبعون ، وبسطت هذا في الهميان وغيره ، وبين البيع بقوله { يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } لأَن بذل أَنفسهم لله هو البيع لا الشراءُ ، وإِن شئْت فقل بيان للشراءِ أَيضًا لأَن بيان البيع للشراءِ وبالعكس ، وفى ذكر القتال ذكر لإِنفاق المال ، لأَنه بالمال ذهابا ومباشرة ورجوعًا ، وفى ذلك شمول من لم يتفق له القتال لعيره ، وقد قصده ، وشمول من لم يتفق أَنه مقتول فإِن القتال المدافعة وقعت القاتلية أَو المقتولية أَولا ، وقيل: يقاتلون أَمر في صورة الإِخبار ، ولا دليل عليه ولا يناسبه ما بعده بخلاف تجاهدون فإِن جزم يغفر في جوابه يدل أَنه أَمر ، والمقتولية إِن كانت إِخبارًا نافرت وإِن كانت أَمرًا فإِنه لا يعتاد أَن يأْمرهم الله بأَن يكونوا مقتولين ثم إِن بعضًا قاتل مقتول بعد أَو غير مقتول ، وبعض مقتول غير قاتل ، والآية على التوزيع ، وأَيضًا فعل البعض أَو صفته قد يسند إِلى الكل . قال رسول الله A: « ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إِلا تعجلوا ثلثى أَجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث ، وإِن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أَجرهم » ، وفى رواية « إِن مات في الغزو تم أَجره أَى ولو غنم أَو مات بلا قتل: قلت إِنما ينقص ثلثًا الأَجر إِن نوى الجهاد للتقرب إِلى الله تعالى وللغنيمة ، وإِن لم ينو الغنيمة تم له الأَجر وإِن نواها وحدها فلا شىءَ له في الآخرة »