{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ } واذكر إِذ قلنا لك بالوحى ، أو بواسطة جبريل عليه السلام .
{ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } علمًا وقدرة لا يخرجون عما أراد ، ولا يعجزه شئ فبلِّغهم ما أوحى إليك ، ولا تخف؛ إن الله يعصمك من القتل ، ولو كانوا يؤذونك بألسنتهم ، والناس عام دخل فيه قريش ، أو أريد به خاص ، لأنهم المعاندون جدا الحاضرون أو أحاط بقريش أهلكهم يوم بدر ، أى سيهلكهم يوم بدر ، والآية مكية ، وذكر ذلك بالماضى لتحقيق الوقوع بعد ، كأنه وقع من قولك أحاط بهم العدو ، وكقوله تعالى: { وأحيط بثمره } وهذا تبشير له A .
{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ } فى المنام ، احتج بهذا مَن قال الإسراء في المنام ، لا في اليقظة ، وهو مذهب أصحابنا ، وقوم من غيرهم ، وقيل: اليقظة لمبالغة الكفار في التكذيب ، ولو كان في النوم لم يبالغوا تلك المبالغة ، وإطلاق الرؤيا على رؤية اليقظة وارد في لغة العرب قال الراعى:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده ... بوبش عظيم كان جمائلا
وأيضا سماها رؤيا مشاكلة لتسميتهم إياها رؤيا وجريانًا على زعمهم كما سمى الأصنام آلهة ، وأيضًا يشبه ما في المنام لكونه ليلا ، وللسرعة ، وخرق العادة حتى قال بعض مَن ضعف إيمانه للنبى A: لعل ذلك يا رسول الله في النوم ، وحتى ارتد بعض من ضعف إِيمانه .
وقال بعض من قال الإسراء في اليقظة أن الرؤيا هنا غير رؤية الإسراء ، بل رؤياه في المنام عام الحديبية دخل مكة ، واعترض بأن الآية مكية والحديبية بعد الهجرة ، وأجيب بأنه رأى في مكة أنه سيدخلها بعد الخروج عنها ، فحكى الرؤيا في الحديبية ، ولم يدخلوها للعمرة التى قصدوها ، بل رجعوا على أن يدخلوها من قابل ، فافتتن بعض حتى قال عمر لأبى بكر رضى الله عنهما: قد أخبرنا رسول الله A أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر: لم يقل ندخله في هذا العام وسندخل في عام آخر ، ودخله من قال ، ونزل: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } وقيل: هذه الرؤيا التى في سورة الإسراء رآها في مكة في شأن وقعة بدر أنها تقع بعد الهجرة ، وسمع قريش ذلك فسخروا منه .
ويجوز أن يكون رأى في المنام مصارع المشركين ، وهو في بدر أو قريب منه ، فسمع المشركون الخارجون من مكة للقتال ، فسخروا منه ، قال: « ولله لكأنى أنظر إلى مصارع المشركين ، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان » ولم يخطئ . وفى وقعة بدر نزل: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } وقيل: هذه الرؤيا في سورة الإسراء ، هى أنه رأى في نومه قومًا من بنى أمية يرقون على منبره وينزون عليه نزو القردة فقال: