{ اللهُ لآَ إِلَهَ إلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمَ القِيَامَةِ } أى ليجمعنك م بالموت ، لا يزال يجمعكم به إلى يوم القيامة ، والرزخ من يومها ، ويوم قيامة كل أحد يوم موته ، وأما أن يجعل يوم القيامة غاية للجمع من القبور ، فلا يصح ، لأن الزمان والمكان لا يكون أحدهما مبدأ لللآخر والأخر غاية له ، بل غاية الزمان ومبدؤه الزمان وغاية المكان ومبدؤه المكان ، أو إلى بمعنى في ، أى ليجمعنكم من قبوركم في يوم القيامة ، والقيامة قيام الناس من قبورهم ، أو قيامهم في الموقف للحساب وعدى الجمع بإلى تضمينًا له معنى الحشر ، والحشر فيه معنى السوق والاضطرار ، وليس هذا المعنى ملحوظًا في الجمع { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أى في يوم القيامة ، أو في الجمع المفهوم من ليجمعنكم { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا } لا أصدق منه ولا مساوى ، ومثل هذه العبارة يستعمل في نفى المساواة مع نفى الزيادة ، ولما رجع عبد الله بن أُبىّ وأصحابه الذين خرجوا لى أُُجد مع رسول الله A عنه ، خذلانًا له وغضبًا عن عدم قبوله رأيه في عدم الخروج إلى أُحُد ، اختلف المسلمون ، فقال فريق: اقتلهم يا رسول الله ، فما رجعوا إلا لكفرهم ، وفريق لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين ، والعتاب لهذا الفريق ، وآمن قوم ولم يهاجروا ، وهاهجر آخرون ، فاستأذنوه A أن يخرجوا للبدو ، فارتحلوا مرحلة بعد مرحلة حتى التحقوا بالمشركين ، وهاجر قوم ثم ارتدوا ، وزعموا أنهم يرجعون إلى مكة ليرجعوا بأموالهم وبضائعهم ، فقتلهم فنزل في ذلك كله قوله تعالى:
{ فَمَا لَكُم فِى المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } طائفتين ، حال ولو جامدا ، لأن معناه الذين أغاروا على السرح ومثلوا براعيه يسار ، قطعوا يديه ورجليه ، وغزوا الشوك في لسانه وفى عينيه ، لأنه A قتلهم ، وفعل بهم ما فعلوا ، ولا خلاف للمؤمنين فيهم ، ولا أُمر المؤمنون بمعاقبتهم { وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ } قلبهم كما يقلب علىّ لسافل وكما يقلب الطعام ، رجيعًا عن القتال معك وعن الخير ، وإلى إظهار أمارة كفرهم بعد اجتهادهم في كتمها ، لا إلى القتل والسبى ، لأنهم لم يفعلا بهم ، والجملة حال من كاف لكم أو من المنافقين { بِمَا كَسَبُوا } من المعاصى أو بكسبهم { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ } توبيخ لهم وإنكار عليهم على إرادتهم توفيق من أضله الله ، أو على عده من المهتدين ، والمراد بمن المعهودين ، أو العموم ، فيدخل المعهودون بالأولى ، وهو حسن لا باطل كما قيل { وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِلًا } إلى الهدى وهذا يضعف ما مر من تفسير الهدى بالعد من المهتدين .