فهرس الكتاب

الصفحة 2657 من 6093

{ فَقُلنا } نصحاء لآدم { يا آدمُ إنَّ هذا } أى الذى لم يسجد لك عدوٌّ لك ولزّوجك أعاد اللام للدلالة على ان عدواته لحواء بالأصلاة ، لا بالتبع له ، ولولا ذلك لقيل لك وزوجك ، بالنصب على المعية ، أو بالجر عطفًا بلا إعادة للجار ، كقوله تعالى: { تَساءلُونَ به والأرْحَام } بجر الأرحام ، وعلى أنه لا بد من إعادة الجار فعلة إعادته أيضًا ما ذكر من الدلالة على الأصالة المذكورة ، لأنه يمكن أن يقال احذره أنت وزوجتك ، فإنه عدو لكما ، أو عدو لك وزوجك بالنصب للمبالغة في: { اشتعل الرأسُ شيبًا } مع أن التمييز أبدًا نكرة ، لأنه يمكن أن يقال اشتعل شبي الرأس ، أو شيب الرأس اشتعل ، واشتعل الرأس شيبة أو بشيب ونحو ذلك ، مما لا تمييز فيه .

وتلك العداوة حسد ، وهو أول من حسد ، وقيل عاداه ، لأنه شيخ جاهل ، وآدم شاب عالم ، والجاهلون لأهل العلم أعداء ، أو لتنافى النار للطين ، ولا يقال إبليس أعلم لقدمه ، وكثرة جاربه ، لأن ذلك ليس على رسوخ منه ، وآدم راسخ ولو قل علمه لأشياء ألا ترى استغفارة عقب الذنب ، وما ذلك إلا لرسوخ معرفته بالله ، ولو قيل له يكون إبليس مكانك في الجنة لم يمتنع ، ولو ينقص استغفاره ، ورمى أبو أمامة الباهلى ، والحسن أن عقل آدم جميع أولاده .

{ فلا يُخرجنَّكُما مِنَ الجنَّة } لا يؤثر فيكما كيده ، أو لا تأثرًا بكيده { فتَشْقى } تلحقك متاعب الدنيا ، من مرض وحزن ، وحرارة وبرد ، وجوع وعراء وظمأ ونحوا ذلك ، ومشاق تحصيل المعاش ، وأفرده بالذكر لأنه الأصل ، ولاستلزام شقائه شقاءها لا للفاصلة ، إذ لو قال فتشقيا لتمت ، إلا أن يقال إتمام الفاصلة آخر الفعل أولى وأنسب من إتمامها بضمير كما تمت في أبى وتضحى ويبلى وغوى ، ومراعاة هذا وجه حسن ، وكذا في قوله:

{ إنَّ لكَ ألاَّ تجُوعَ فيها ولا تَعْرى * وأنَّك لا تَظمْأ فيها ولا تَضْحى } لا تكون منكشفًا للشمس ، إذ لا يصل من في الجنة الى جوع أو عطش أو عراء أو بروز للشمس ، ولا شمس فيها ، بل يتنعمون بتلك النعم على حسب خطور ذلك ببالهم ، بدون حضور أضداده ، وجمع الجوع مع العراء لا مع الظمأ ، والظمأ مع الضحو ، لأن الجوع خلو الباطن ، والعرى خلو الظاهر ، والظمأ حرارة الباطن ، والضحو حرارة الظاهر ، والحاصل أنه لا يصيبك ضرر باطن ولا ظاهر ، ولو جمع انتقاء الجوع ، وانتقاء الظمأ لتوهم أنهما نعمة واحدة ، أو قرب التوهم ، وكذا انتقاء الضحو والعرى ، كما قطع امرؤ القيس كوب الجواد عن قوله لخيله كرى كرة ، وقطع تبطن الكاعب عن ترشيف الكاسب في قوله:

كأنى لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال

ولم أسبا الزق الروى ولم أقل ... لخيلى كرى كرة بعد إجفال

وقد يقال جمع الأولين للذة ، والأخيرين للشجاعة ، والآية تفصيل لمضمون بعض قوله تعالى: { فلا يخرجنَّكما } الخ ، وبقى كثير لكفاية التمثيل بقليل ، فإن في الجنة أيضًا نكاحًا وغيره ، مما يلذ ، ولا يصح أنه قال الى في الجنة ما آكل وأشرب وألبس وأستظل ، فذكر له ما طلب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت