{ فَلَمَّأ دَخَلُوا عليْهِ } خرجوا من عند أَبيهم للتحسس إِلى مصر ودخلوها ودخلوا على يوسف ، ولما دخلوا عليه { قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضَاعةٍ مُزْجَاةٍ فَأْوفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ } هذه مرة ثالثة في دخول مصر الأُولى ليكتالوا ، والثانية ليرجعوا بنيامين إليها ويزدادوا كيل بعير ، وهذه للتحسس ، ولكن قدموا ذكر مس الضر وهو الجوع وطلب إِيفاءِ الكيل والتصدق ، لأَن المتحسس يستعمل كل ما يظن أَنه يتوصل به إلى مطلوبه فاعترفوا له بالمسكنة أَولا ليقابلها بما يصلحا من الإِيفاء والتصدق ، وذلك استجلاب للرأْفة ، فإِن رق لهم طلبوا بنيامين وسأَلوه العمل في يوسف وإلا شرعوا لا محالة في بنيامين ويوسف أَو سكتوا ، والبضاعة ما يشترى به أَو يباع ، والمرجاة التى تدفع على صاحبها لقلتها أَو خستها أولهما وهو المتبادر من المقام ، والخسيسة قد تكون قليلة وقد تكون كثيرة ، والقليلة قد تكون خسيسة وقد تكون جيدة ، وذلك عموم وخصوص من وجه ، وكانت دراهم مزيفة تؤخذ بوضعية ، أَو صوفا وسمنا وحب السنوبر والحبة الخضراءُ المأْكولة من البطم ، ويعصر منها الزيت ، أَو الأَقط وسويق المقل ، أَو الفستق مع السنوبر وسماه بعض الحبة الخضراءُ ، ويقال المقل الدوم ، ويقال: صمغ شجرة ، والزيف يكون بخلط النحاس مثلا ، ويقال: نحاس مطلى بمعقود الزئْبق مع الكبريت ، وجعل مس الضر علة لإِيفاءِ الكيل والتصديق ، أَو المجىء بالبضاعة الزجاة علة لهما لبنائها على مس الضر ، والمراد أَوف الكيل ولا تنظر إِلى رداءَة بضاعة فتنقصه أَو اقبلها كالجيدة ، وزد على ما تسوى الجيدة أَو أَوفه برد أَخينا وتصدق علينا زيادة على ذلك كله لا في مقابلة ثمن ، أَو التصدق برد بنيامين ، وأَخطأَ من قال: إن إِخوة يوسف أَنبياءُ لأًفعالهم فلا شك أَنه تحل لهم الصدقة لأَنها ولو حرمت على الأَنبياء كلهم لكن لم تحرم على آلهم كما حرمت على آل محمد A مثله ، وذكر بعض أنها حرمت عليهم وعلى آلهم ، ولعلهم طلبوا الصدقة لأَنفسهم ، وهم غير أَنبياءَ لا ليعقوب النبى فإما أن لا يعطوه منها وإما أَن يعطوه منها لأَنها لم تطلب له كما قال A في لحم: « إِنه صدقة على بريرة وهدية لى » ، والمشهور أَن الصدقة حرمت على النبى A وعلى آله لا على الأنبياء قبله ، وهو المتبادر من قوله فتصدق علينا ، لكن التصدق برده بنيامين ، وأيضاَ التصدق على كل أَحد هبة والهبة لكل أَحد ، وكأَنهم قالوا: وهب لنا ، وأَيضًا تطلق على التفضل مطلقًا كما جاءَ أن القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ، بقى أن يقال: الأَنسب إذا كان لنبى أَن لا تسمى صدقة ، والصدقة في العرف ما يبتغى به الثواب ، ولذلك رد الحسن على من قال: اللهم تصدق علينا ، وقال: قل اللهم أَعطنا وتفضل علينا ، ولا يعارض بهذا الحديث؛ لأَن القائل ليس بليغًا يتصرف في كلامه ، ولئَلا يشرع في الناس ، أَو هو في الحديث للمشاكلة ، وقالوا يجزى المتصدقين ، ولم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأَنهم لا يعرفونه مؤمنا وظنوه كافرًا كملوك مصر ، ولما قالوا ذلك رق لهم فقال ما في قوله تعالى:
{ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ } من الضرب والشتم والإلقاء في البئْر والبيع والنسبة إلى السرقة والتفريق له عن أَبيه وأَهله { وأَخِيهِ } بنيامين من إِذلاله حتى لا يكلمهم إٍلا في عجز وذل ولا يجد ذكر أَخيه يوسف إٍلا في ذلك ، ومن تفريقهم بينه وبين يوسف ، وقولهم له لما خرج الصاع من رحله: ما رأَينا منكم يا بنى راحيل خيرا ، والاستفهام توبيخ ليتوبوا أَو تقريع كذلك ، والمراد هل علمتم قبح ما فعلتم أو عقابه من الله وفى قوله { إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } تليين لهم فإِنه علمهم الاعتذار وسهل لهم لجهلهم ، جعل عمدهم كالجهل؛ كالجاهل في عدم العمل ، أَو جاهلون سفهاءَ كأَنهم صبيان ، أَو جاهلون عاقبة أَمرى من النبوة والملك ، أعقاب فعلكم أو قبحه .