{ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ } القرآن أَو التوحيد { لَمَّا جَاءَهُمْ } والباء لكون التكذيب بالقرآن كالدليل على التكذيب بما سواه ، ولكونه كاللازم للتكذيب بغيره من المعجزات فهى للسببية أَو للتعليل ، أَى كذبوا بالمعجزة أَو الدليل لأَنهم كذبوا بالقرآن أَو التوحيد ، أَو سبب تكذيبهم بالدليل أَو المعجزة تكذيبهم بالقرآن ، وإِذا فسرنا الحق بالقرآن ترجح أَو تعين أَن يراد بالآية غيره ، ويجوز أَن يراد بالحق الآية ، فمقتضى الظاهر فقد كذبوا بها لما جاءَتهم ، ووضع الظاهر ليصفها بأَنها حق ، وصح هذا لأَن الإِعراض ليس نصا في التكذيب ، إِلا أَنه سبب للتكذيب ، أَو ملزوم له ، ويجوز أَن يكون المراد بالحق رسول الله صلى الله عليه ولم ، ويجوز على ضعف أَن تكون الباء تعليلا لجواب شرط قائمة مقام فاء الجواب ، أَى إِن كانوا معرضين عن الآية فلا تعجب ، لأَنهم قد كذبوا بما هو أَعظم آية وهو الحق ، وفيه كثرة الحذف ، وفيه النيابة معه ، وفيه أَن الحق من الآيات ، وصف الله D كبار مكة أَولا بالإِعراض عن التأَمل في الدلائل والآيات لأَنه أَدنى قبحهم ، فإِن المعرض عن الشئ قد لا يكذبه ، ولا يستهزئ به . وثانيا بالتكذيب لأَنه أَقبح من الإِعراض إِلا أنه قد لا يستهزئ ، وثالثا بالاستهزاءِ وهو أَشد قبحًا إِذ قارنه التكذيب المقرون بالإِعراض ، فهو العاية في القبح ، ولذلك ختم به إِذ قال { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } وقد يكون الاستهزاء بلا تكذيب ، وهو دون التكذيب ، والأنباء أَنواع العذاب سماها أَنباء لأَنها ينبأَ أَى يخبر بها ، وإِضافتها لما كانوا به يستهزئون ، لأَن ما كانوا به يستهزئون هو الآيات المتلوة والمعجزات ، وهن سبب لأَنواع العذاب ، وملزوم لها بتوسط استهزائهم ، أَو أَضافتها لما كانوا به يستهزئون لأَنهن الآيات ، وهن مخبرات بأَنواع العذاب ، والمراد مضمون أَنباء ما كانوا به يستهزئون ، فحذف المضاف ، والنبأْ ما يعظم وقعه من الأَخبار ، وهو أَخص من الخبر ، وفى الآية إِيذان بغاية عظم عذابهم ، وهو في الدنيا مستتبعا بعذاب الآخرة ، ويضعف أَن يفسر بعذاب الآخرة أَو بهما ، أَو بظهور الإِسم وعلوه ، لأَنه لا يناسب ذكر الإِهلاك في قوله D .