{ فَلَمَّا وَضَعْهَا } أى وضعت ما في بطنها ، ولفظ ما مذكر ، وأنثه لأن هذا من كلام الله ، وهو عالم بأن ما في بطنها أنثى ، فراعى جانت المعنى ، وليس نفى بعض لهذا الوجه صحيحًا ، ويجوز أن يكون التأنيث باعتبار ما بعد ولادتها ، ويناسب التأنيث وضوحه في الجواب ، كما يؤنث المبتدأ لتأنيث الخبر ولو كان ضمير المذكر ، وحاصل ذلك كله أنه أنث باعتبار الواقع { قَالَتْ رَبِّ } يا رب { إننِّى وَضَعْتُهَا } أى وضعته ، أى وضعت ما في بطنى ، وأنت لما ذكرت ولاعبتار الحال ، وهو كالخبر ، وهو قوله { أُنثَى } لقاعدة ، أن كل ضمير وقع بين اسمين ، مذكر ومؤنث مدلولهما واحد ، يجوز تذكيره وتأنيثه ، لا باعتبار كون المتكلم عالما بالأنوثة ، فضلا عن أن يلزم كون أنثى حالا عنه لغوا ، أو التأنيث في الموضعين باعتبار أن ما في بطنها نفس ، أو جملة ، وأن النفس أو الحبلة ولو مؤنثين يطلقان على الذكر والأنثى ، فبين الأنوثة بقوله أنثى ، و هو حال من ها ، ويجوز أن يكون بدلا منهما { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } بأنوثة ما وضعت ، ولكن ذكرت إنى وضعتها أنثى تحسرا على عدم الذكر الذى الذى قصدت لخدمة بيت المقدس ، واستجلابا للقبول بخضوع فلذا جوزيت بالقبول ، وأن هذا الأنثى كالذكر ، والكلام المنحصر في الفائدة أو لازمها إنما هو الخبر ، ها إنشاء ، والإنشاء لا يكون معناه الفائدة ولا لازمها { وَلَيْسَ الَّذكَرُ كَالأُنثَى } هذا من كلام الله ، لا من كلامها ، معترض في كلامها ، معترض في كلامها ، أى ليس الذكر المعهود الذى طلبت كالأنثى المعهودة التى أعطيت ، بل الأنثى التى أعطيت أفضل لمزايا يضعها الله تعالى فيها ، وإن كانت لا تصلح لخدمة البيت ، ويجوز أن يكون من باب القلب ، أى ليس مطلق الأنثى أو هذه الأنثى الموضوعة كمطلق الذكر المطلوب إذ لا تصلح لخدمة البيت ، فقلب ليفيد نكتة ، هى إيهام التعبير الأول من أن بعض أفراد النساء لكمالها أفضل ، أو جعل بالنسبة غليها مشيها ، ويجوز أن يكون من كلامها على القلب تضرعا منها ، فقلبه الله عنها لنكتة ، أو على معنى أن مراد الله أفضل من مرادى تعظما لعطيته تعالى ، ويجوز أن يكون بلا قلب من كلام الله أو كلامها على أنه لا يشبه الذكر بالأنثى ، لأنه أفضل ، وليسا سواء { وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } تقربا إلى الله D لعصمتها ، وأن تكون من العابدات ، فإن مريم في لغتهم العابدة الخادمة لله D ولو لم تصلح لخدمة البيت ، لأنها ولو خدمت ، لكن يقطعها الحيض ، وذلك بقاء على نية الخير وقصده بما في بطنها ولا يخفى أن التسمية باسم العبادة لله إذا كان لحب الله ، وعبادته تقربٌ ناشىء عن القلب ، وقيل ، مريم معرب مارية ، بمعنى جارية في لغتهم ، والتسمية قبل السابع جائزة كما في الآية { وَِنِّى أُعِيدُهَا } أمنعها { بِكَ } يا رب { وَدُرِّيَّنَهَا } وقدمت بك لمزيد اعتنائها بمريم { مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } أى المرجوم ، أى المطرود ، وذلك استعارة على الصحيح ، وقيل الرجم بمعنى الطرد حقيقة ، ولا يدل لذلك كلام القاموس ، لأنه يذكر المجاز في معانى الكلمات ، مثل أن يقول ، الأسد السبع والشجاع ، واستجاب في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير ابن مريم فإنه ذهب ليطعن فطعن في الحجاب ، أى المشيمة ، وقيل ، حجاب من الملائكة مما يلى الأرض ، وقد يبس عن ظاهرها لدوران الملائكة عليه ، وذلك منها يتضمن الدعاء بجانها حتى تلد .