{ وإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا } إِن مخففة { لَيُزْلقُونَكَ } يصرعونك واللام للفرق بين الإِثبات المراد والنفى وقيل إِن نافية خفيفة واللام للاستثناء ، يكادون يزلقونك في الأَرض كالزلق في سبخة مبتلة لشدة عداوتهم . { بِأَبْصَارِهِمْ } ينظرون إِليه نظرًا شديدًا نظر بغض ، وذلك مبالغة في وصف بغضهم له - A - لأَن النظر ولو اشتد ببغض لا يصرع أحدًا فحاصله لو أمكن أن يزلقوه بأَبصارهم لأَزلقوه كأَنه سرت عداوتهم له - A - من قلوبهم إِلى عيونهم ، والزلق على ظاهره ويكاد مجاز عن الشدة لأَن شدة بغضهم ونظرهم يزلق ولا يقرب من الإِزلاق ، وفى كلام الغرب والعجم ذلك يقال نظر إِلى نظرًا يكاد يصرعنى ويكاد يأْكلنى وذكر ذلك بلا لفظ القرب من قال:
يتقارضون إِذا التقوا في موطن ... نظرًا يزل مواطئ الأَقدام
وقيل يكاد على حقيقته والإِزلاق مجاز عن الإِهلاك وأنه كان في بنى أسد عيانون فأَراد بعض منهم أن يعين رسول الله - A - ونجاه الله D فنزلت الآية ، وكان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة فيرفع جانب الخمار ، فيقول: لم ار كاليوم إِبلًا ولا غنمًا أحسن من هذه فتسقط طائفة منها وتموت ، طلبه الكفرا أن يعين رسول الله -صلى الله A - فأَجابهم وشرع في ذلك بأَن قال:
قد كان قومك يحسبونك سيدًا ... وأخال أنك سيد معيون
لم يؤثر فيه شئ ، فأَنزل الله تعالى الآية . وقالت قيش ليعينوه ما رأينا مثله ولا مثل حججه ولم يؤثر فيه ، وقراءة هذه الآية تدفع ضرر العين بإِذن الله تعالى والعين حق كما قال - A - « العين حق أو كان شئ يسبق القدر لقلت العين » وقال - A - « لا تزال العين بالجمل حتى تورده القدر ولا بالنخلة حتى توردها التنور » ، وأمر المعيان أن يغتسل وتصب غسالته على المعين ، وقال - A - « إِن العين لتولع بالرجل بإِذن الله تعالى حتى يصعد حالقًا ثم يتردى منه » فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله إِن ولد جعفر تسرع إِليهم العين فهل أسترقى لهم . قال: « نعم . ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين » ، وفى ذلك أحاديث كثيرة . قال الحسن دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية ، ولا يختص العين بالنفس الخبيثة وقد يكون من النفوس الزكية ، وقد كان رسول الله - A - يأْمر الصحابة بالتحرز عن العين بذكر الله ، ويمكن أن يكون العين مختصًا بالنفس الخبيثة أصالة حتى أن النفس الزمية يصدر منها بحسب خبثها الأَصلى عين ولا يختص العين بمن يبغض بل يكون ايضًا فيمن يحب ، ولا يختص أن يكون في الأَمر الحسن بل يكون أيضًا في القبيح ، وقيل يختص بالمستحسن ونسب هذا إِلى الشهرة ، ويعارضه أخبار الناس أنه وقع في المستقبح والمستحسن وفى غير ذلك ، فالكفار يبغضون رسول الله - A - وارادوا أن يعينوه ، ولا دليل على عدم اختصاص العين بما يستحسن في ذلك لأَنهم قد استحسنوا منه أشياء مع كفرهم وبغضهم كبلاغته وجماله وصدقه في سائر كلامه وأحواله ، وما يذكر من القرآن والقرآن بليغ كما قال الله تعالىك { لما سمعوا الذكر } وأيضًا قد يتعاطون عينه ولو لم يستحسنوا منه شيئًا ، ويحبس العائن لئلا يضر الناس فإِن لم يكن له مال فنفقته من بيت المار .