{ فاسْتَجَبنا له } دعاءه { ووهَبْنا له يحيى ، وأصلحنا له زوجه } للمعاشر بتحسن خلقها ، وكانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان رضى الله عنها ، أو برد شبابها بعد أن كبرت ، أو بالولادة وكانت عاقرًا ، وعلى الأول العطف على استجبنا ، لأنه لم يدع بتحسين خلقها ، أو على وهبنا فلزيادة إصلاحها على مطلوبه كان بالواو لا بالفاء التفصيلية ، وقدم هبة الولد لأنه مطلوبه الأعظم ، وهو لا يتوقف على إلاصلاح خلقها ، وإن أريد بالإصلاح إزالة العقم ، فالمراد أردنا هبة يحيى له وأصلحنا له زوجه للولادة ، ويضعف ما قيل من أن المراد وهبنا لمجرد امتناننا ، لأن المتبادر أنه إجابة لدعائه ، والعطاء بعيد الإجابة أشد امتنانًا ، والداعى الى هذا الضعف أنه قال: { ووهبنا } ولم يقل فوهبنا ، قلت: لا تنس أن المعطوف بغير الفاء على مدخول الفاء ينسحب عليه حكم الفاء .
{ إنَّهم } أى الأنبياء المذكورين ، لأن العموم زيادة فائدة ، ولأن فيه السلامة من اتمام الثلاثة بمؤنث جىء به من عرض لا لذاته اللازم في تفسير الضمير بزكرياء وزوجه ويحيى ، وهذا تعليل جملى لمحذوف ، أى فعلنا بهم ذلك ، لأنهم الخ أو استئناف لتعظيمهم { كانُوا يُسارِعُون في الخيرت } الى الخرات كقوله سبحانه: { سارعوا الى مغفرة من ربكم } وتفسير القرآن بعضه ببعض أولى من تجديد معنى آخر كتضمين يسارع معنى يرغب ، فيقتدى بفى ما لم يترجح المعنى الآخر لدليل ، أو يتعين ولا داعى الى كونها للتعليل لختلف معناه هنا سواء قلنا الخيرات العبارات أو ثوابها ، أو المراتب إذ يقدر ما يسارع به ، والأصل عدم الحذف إذا أغنى عنه المذكور .
{ ويدْعونَنا رغبًا } فى نعمنا وقبول الأعمال { وَرَهبًا } من نقمنا ، ورد الأعمال ، ويروى أن الدعا رغبة ببطون الأكف ، ورهبة بظهورها والنصب على التعليل ، وأى داع الى جعلهما حالين بتقدير مضاف أى ذوى رغب ، أو للمبالغة أو بتأويهما بالوصف ، أو الى جعلهما مفعولين مطلقين كقولك: قمت وقوفًا ، وعطف الجملة على يسارعون فيتسلط قيل عليها الكون ، فهذا الدعاء من توابع تلك المسارعة ، ولو عطفت على كانوا الخ لم يفد ذلك ، وفيه أنه لا يلزم من قولك: كان زيد يطعم الفقراء ، ويقرأ أن اطعامهم يستلحق القراءة ، بل العطف على يسارعون للمرافقة في المضارعة والتجدد { وكانُوا لنا خاشعين } منقادين لنا ، خائفين .