{ ولَقَد آتينا داودَ وسليمانَ عِلْمًا } يليق بهما بعد النبوّة ، كما لقيناك القرآن وهو علم الشريعة والقضاء ، وصنعة لبوس ، ومنطق الطير ، والتنوين للتعظيم { وقالا } شكرًا عى ما أوتيا { الحمْدُ لله الَّذى فضَّلنا على كَثيرٍ من عِباده المُؤمنينَ } كل واحد قال: الحمد لله الذى فضلنى الخ ، وجعهما في قالا كقوله تعالى: { يا أيها الرسل كلوا } الخ فانه قال لكل واحد في زمانه يا أيها الرسول كان ، والمراد بالمؤمنين الذين لم يعطوا ما أعطيا ، ونفى قليل قد فضل عليهما .
وفى ذلك مقابلة الكثرة بالقلة ، وفيه أن هذا لا يلزم ، بل يفضل عليهما القليل أو بيساوياه احتمالان ، ولا يجزم بان الكثير يقابله القليل في مثل هذا المقام ، بل يدل أن الأكثر يخالف القليل ، وجزم بعض بأنه فضلا على كثير ، وفضل عليهما كثير ، وهذا الكثير مساو للباقى ، او اكثر أو أقل ، كما هو شان القانع المكتفى بمزيد ما ، فشكرًا على أنه لم يقصر تفضيلهما على قليل فقط ، وفى الآية تفضيل العلم على المال ، والملك والعبادات ، إذ حمدا الله عليه ، وفيها تحريض على أنه من علم شيئًا من علم الشريعة او آلاته ، ان يحمد الله عليه ، وأن يتواضع العالم ، وأن يقبل الحق ممن جاء به .
وكان عمر رضى الله عنه يخطب على المنبر ، وينهى عن المغالاة في المهور ، فقالت امرأة: { وآتيتم إحداهن قنطارًا } فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر ، أو كل الناس أفقه من عمر ، وهو رضى الله عنه مصيب في نهيه ، لأن النهى عن مغالاة المهور جاء في الحديث عنه A ، إلا أنه أعجبه استحضارها الآية في ذلك المقام ، والآية ليست آمرة بمغالاة المهور ، بل جاءت على سبيل الفرض ، كأنه قيل: ولو آتيتموهن قنطارًا ، وليس وقوع الشىء منافيًا لكراهته ، فلو أعطى قنطارًا لصح ، وجاء عليه نهى التنزيه ، وفى الآية جواز أن يقال: الحمد لله على ما أعطانى من العلم ، بل لو قال: أنا عالم لأمر داع لقوله بلا فخر ولا رياء ولا ترفع لجاز ، فان في قولك: الحمد لله على ما أعطانى من العلم يتضمن انا عالم ، وما جاء من انه من قال أنا عالم فهو جاهل لم يصح حديثًا عنه A ، وإن صح فمحمول على من قاله فخرا أو رياء ، لأن نحو الرياء جهل وسمعة .