{ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ } هؤلاء الرؤساء { لَوْ } ثبت { أَنَّ لَنَا } معشر التابعين والمتبوعين { كَرَّةً } أى رجعة إلى الدنيا « فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ » في الدنيا إذا رجعنا إليها نحن وهم ، فلا نتابعهم على الكفر إذا دعونا إليه . فعدم المتابعة بعد الرجوع هو تبرؤهم منهم ، أو نتبرأ من دينهم إذا رجعنا إلى الآخرة مسلمين بعد الرجوع إلى الدنيا ، ورجعوا إليها كافرين ، أو لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنسلم ونرجع إلى الآخرة وهم باقون فيها لم يرجعوا ، فنتبرأ من دينهم ، ولو للتمنى ، ونصب نتبرأ في جوابه ، ولا يلزم من التشبيه أن يكون تبرؤ التابعين من جنس تبرؤ المتبوعين ، فقد تخالفا؛ إذ تبرؤ المتبوعين بقولهم لم نقهركم على الضلال ، وتبرؤ التابعين بقولهم لسنا على دينكم لو رجعوا إلى الدنيا وأصحلوا ، أو يجوز أن يكون المتبوعون الأصنام إذ عظموهم وجعلوهم كالعقلاء في الآخرة ، ما كنتم إيانا تعبدون ، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون « كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنّا » كما تبرأ هؤلاء الرؤساء المتبوعون منا معشر التابعين ، بأن قالوا: إنا بريئون من ذنوبكم ، ما أضللناكم أو ما قهرناكم على الضلال ، بل اخترتموه ، وذلك مجازاة لهم ، إذ غاظهم تبرؤ الرؤساء المتبوعين ، فأرادوا أن يغيظوهم بالتبرؤ ، بأن يرجعوا إلى الدنيا ويسلموا ، فيقولوا لسنا على دينكم ، ويبقى الرؤساء المتبوعين على الكفر ، وذلك إغاظة في الدنيا أو يوم القيامة ، إذا رجعوا إلى الآخرة من الدنيا التى رجعوا إليها { كَذَلِكَ } أى مثل ما ذكر من رؤية العذاب ومن تبرؤ المتبوعين من التابعين ، وذلك أنه يجوز أن يقال قمت كما قعدت ، أى فعلت القيام كما فعلت القعود ، فلا يضر أن التبرؤ لم تسلط عليه الرؤية بل لا مانع من أن يقال المراد مثل إرادة العذاب وشدته ، وتبرؤهم لأن ذلك كله يرونه . ولو لم يذكر رؤية كل ذلك في الآية ، فكيون التذكير بتأويل ما ذكر أو يشار إلى الإرءاء بهمزتين بينهما ألف ، وهى عين الكلمة منلزة حرف العلة ، فيكون من باب إقامة ، لكن ، لأنا قدرناه مضافا ، فهو مذكر كقوله تعالى: { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } والمعنى على كل حال كما أراهم ذلك { يُرِيهمُ اللهُ } يعلمهم أو يجعلهم رائين بأبصارهم باعتبار الأثر { أَعْمَلَهُمْ حَسَرَاتٍ } وجبات ندمات في حزن وتلهف ، فالحسرة أخص من الندم مترادفان { عَلَيْهِمْ } متعلق بحسرات ، أو نعته ، لأن المعنى مضرات عليهم ، أو المراد حسرات على خبثهم إفراطًا وتفريطا { وَمَا هُمْ بِمُخْرَجِينَ مِنَ النَّارِ } ولو وجدوا لخرجوا بأنفسهم ولو بلا إخراج ، بخلاف أهل الجنة فإنهم لا يخرجون منها إلا بإخراج مخرج لو كان ، لكن لا خروج ولا إخراج ، والجملة الاسمية ، والباء للمبالغة في الخلود ، وليس في ذلك حصر ، وإذا قيل به في مثل ذلك فمن دليل عدم خلودهم ، وليس في ذلك صيغة حصر ، وأيضا ليس المقام مقام حصر الخلود في المشرك ، حصر قلب أو تعيين ، أو إفراد ، والمراد نفى أصل الخروج ، مثل قوله تعالى: { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها }