{ قالَ الذى عنْدهُ علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أنْ يرتَدَّ اليكَ طَرْفك } أعاد القول بيانا لتفاوت القولين ورجحان الثانى ، حتى أنه لا اعتبار للأول إلا إذا فسرنا القيام من مقامك باستوائك واقفًا ، فانه قريب من مقدار ارتداد الطرف لكن يبقى التفاوت ببعض المدة ، وبأن ما من الذى علم من الكتاب أقوى وأنسب مما نسب لقوة البدن ، والعلم إدراك أو أمر معلوم أدركه يجاب به الدعاء ، والكتاب التوراة أو الجنس أو اللوح المحفوظ .
وقيل: الذى أرسل الى بلقيس هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل ، وأمه باطور من بنى اسرائيل ، وهو وزير سليمان وابن أخته ، يعلم الاسم الأعظم ، وكان كاتبه ، أو هو رجل اسمه أسطوم ، وقيل: أسطورس ، وقيل ، رجل يقال له: ذو النور ، وقيل الخضر ، وقيل رجل اسمه ملخ أو تمليخا ، وقيل يقال له هود ، وقيل من خيله ، وقيل: جبريل ، وقيل ملك آخر من الملائكة ، أيد الله به سليمان عليه السلام ، والمشهور الأول آصف ، دعا: يا حى يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حى يا قيوم ، يا إلهنا وإله كل شىء إلهًا واحدًا ، إتينى بعرشها ، دعا بذلك فأتت به الملائكة من تحت الأرض ، ووضعته بين يدى سليمان ، وكاف آتيك في الموضعين لسليمان .
وقيل: هو سليمان لأنه أعلم أهل زمانه ، سجد ودعا فالكاف الثانية ، وكاف إليك وطرفك خطاب منه للعفريت استحقار منه لقوة العفريت بالنسبة لما في العلم ، ومعنى إتيان سليمان به للعفريت استحضاره في موضع هو فيه ، والصحيح هو الأول ، وتخصيص أحد من أمة نبى بما لم يكن لذلك النبى لا يقدح فيه ، لأن الله أن يفعل ما شاء ، وأيضًا لم يخبرنا الله أن سليمان لا يقدر على ذلك ، وأيضًا ذلك للرجل مع عظم شأنه تحت سليمان ، وخدم من خدمه ، والموصول وصلته ، يجوز استعماله في غير معلوم للتعظيم ، نحو: { فغشيهم } الخ ، فلا يلزم ان يكون هو سليمان ، وقوله: { من فضل ربى } حمد على ما أجرى الله تعالى له على من تحت يده .
وأيضا جرى على يد آصف ، ليعلم الناس أنه خلفة بعده ، ويعلموا فضله ، وأن ما ناله انما ناله بصحبة سليمان والمارد بارتداد الطرف مدة رجوع نظره اليه بحسب اختياره لا الى خصوص نفسه ، فانك تنتقل من نظر شىء الى ما شئت من إمساكه عن النظر ، ومن نظره الى آخر وفسره بعض بانضمام الجفن بعد فتحه ، ويروى أن آصف بن برخيا قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهى طرفهما فنظر نحو اليمن كذلك ، فحضره العرش قيل ارتداده .
{ فلمَّا رآه } بعينيه { مستقرأ عنْدَه } الاستقرار كون خاص لا عام ، ولذلك ذكر ولم ينب عنه الظرف ، فان المراد به الثبوت مع الرسوخ ، وعدم التزلزل الى جهة ، وبين موضعه من الشام ، وموضع العرش من مأرب مسافة شهرين ، وقيل هو حينئذ في صنعاء فبينه وبين العرش ثلاثة أيام ، وجاء بين السماء والأرض ، وقيل: انشقت به الأرض ، وقال ابن العربى أعدمه الله في محله ، وأوجده عند سليمان كخلق الميت بعد موته .