{ خُشَّعًا } أذلاء من شدة الهول ، وهو حال من واو يخرجون مثلها في قوله تعال: { يخرجون من لأجداث سراعا } الى قوله: { خاشعة أبصارهم } { أبْصارهُم } فاعل خُشَّعًا على أن لا ضمير في خشعا كذا قيل ، ولا يتصور عندى جمع صفة بلا ضمير فيها في تكسير ، أو جمع سلامة لمذكر ، أو مؤنث ، اللهم الا على لغة يتعاقبون فيكم ، وأكلوه البراغيث ، على أن الصورة صورة وصف فيه ضمير ، مع أنه لا ضمير فيه والأولى ما ذكرت من أن فيه ضميرا فأبصار يدل بعض منه ، وقيل: حال من هاء يدعوهم المقدرة ، وفيه مخالفة لقوله تعالى: { يخرجون من الأجداث سراعا } وأن خشوعهم ليس في وقت الدعاء ، بل عقبه ، فيحتاج الى أن الحال مقدرة ، والأصل الحال المقارنة ، وكذا في جعله مفعولا به ليدعو ، انما خشوعهم عقب الدعاء ، وهو أقرب مما قبله ، لأأنه ما فيه الا ستعمال الوصف للاستقبال ، أى فريقا سيخشع أبصارهم .
وقيل: حال من هاء عنهم ، ولا يحسن إذ المعنى حينئذ ، تول عن الشفاعة لهم وقت خشوعهم في خروجهم ، واختار بعض انه اذا رفع الوصف ظاهرا مجموعا ، وأمكن تكسيره ، فتكسيره أولى من إفراده نحو: مررت برجل قيام غلمانه ، وقال الجمهور: الافراد أولى ، وقيل: ان تبع جمعا فالجمع أولى نحو: مررت برجال قام غلمانهم ، أو مفردا فالافراد أولى ، وقد قرأ الكسائى وأبو عمرو وحمزة: خاشعا أبصراهم ، وأبى وابن مسعود « خاشعة أبصارهم ، وأما جمع السلامة فلا إلا على لغة يتعاقبون ، لشبهه بالفعل والحال والوصف في حكم واحد .
{ يخْرجُون من الأجْداث } القبور { كانَّهم جَرادٌ منتشرٌ } حال ثانية ، ووجه الشبه الكثرة والانتشار ، وعدم اللباس ، واستصحاب شىء ، والعجز والمهانة ، وكذا هم كالفارش المبثوث ، وقيل: أولا كالفراش في الضعف وعدم الاهتداء الى موضع ، واثانيا كالجراد ، والجراد نثره حوت من البحر كما جاء في الحديث عنه A قال: » اللهم أهلك صغاره واقتل كباره وأفسد بيضه ، واقطع دابره ، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا انك سميع الدعاء « فقيل: يا رسول الله تدعو على جند من جنود الله الله تعالى بقطع دابره؟ فقال: » إن الجراد نثره حوت من البحر « أى أنه يوجد من الحوت بعد قطعه ، فالسنة قتله ، لأنه مفسد .
روى أنه انقطع على عهد عمر رضى الله عنه فاغتم لذلك ، فبعث راكبا نحو اليمن ، وراكبا نحو الشام ، وراكبا نحو العراق ، فأتاه المبعوث نحو اليمن بقبضة من جراد ، فألقاها بين يديه ، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله A يقال: » خلق الله تعالى ألف امة ، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، فأول شىء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فاذا هلك الجراد تتابعت سائر الأمم في الهلاك ، مثل نظام انقطع سلكه ، والله أعلم « .