{ يَآأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا } أشركوا بقلوبهم ونافقوا بألسنتهم { وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ } فى شأن إخوانهم ، فقيل أو عن إخواتهم أو لأجل إخوانهم ، أو خاطبوا إخوانهم تجوزا ولو غابوا أو ماتوا ، وعلى هذا الأخير يكون مقتضى الظاهر ، لو كنتم عندنا ما تم وما قتلتم بطريق التفات السكاكى ، والمراد بإخوانهم المسلمون من الأنصار ، إخوة النسب ، أو إخوانهم في النفاق إخوة الدين والنسب { إذَا ضَرَبُوا فِى الأرْضِ } سافر لتجر أو معاش وماتوا ، وخص الأرض لأن سفرهم في البحر قليل ، وإذا بمعنى إذ للمضى بدليل قالوا ، أو على ظاهرها فيكون قالوا بمعنى يقولون ، أن يبقى قالوا على الضى زمانا إلا أنه يعتبر مغنيًا عن الجواب فيفيد الاستقبال ، بواسطة الشرط كقوله: وهمَّ بها لولا أنرأى برهان رب÷ ، أو يصور المخاطب كونه قبل القول فيصح له استقبال إذا أو يراد بإذا الاستمرار فيفيد الاستحضار نظرًا إلى الاستمرار كقوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، والضرب في الأرض السفر فيها ، والإبعاد عند بعض ، ولا يتم إذ لا يختص بالإبعاد في الآية شرط ، ولا يصح تفسير الأرض بما يشمل البحر ، إذ لا سير في البحر إلا على الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو عموم المجاز ، وهو مطلق الذهاب عن الأهل { أَوْ كَانُوا غُزَّى } فقتلوا بدليل قوله عزوجل ، وما قتلوا ، والمفرد غاز ، وزنه فعل كراكع وركع ، قلبت لواو ألفًا ، لأنها تحركت بعد فتح ، فحذف للساكن بعدها ، وهو التنوين ، والقياس فيه غزاة كقضاة ، بوزن فعله بضم ففتح لإعلال اللام { لَّوْ كَانُوا عِندَنَا } لم يسافروا ولم يغزوا { مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } والموت أعم من القتل ، إذ يكون بلا قتل وبه ، وقدم لأنه يكون في إقامة وذهاب ، والغزو يكون بالذهاب ، كما ذهب المسلمون من المدينة إلى أحد { لِيَجْعَلَ اللهُ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } اللام متعلق بقالوا ، وهى لام المآل لا التعليل ، لأنهم قالوا ذلك للتثبط عن الجهاد ، لا ليكون ذلك حسرة ، ولكن مآله الحسرة ، وهى أشد الندم والإشارة إلى الظن: إذ ظنوا أنهم لو حضروا لكانوا أحياء ، أو إلى النطق والاعتقاد المدلول عليه بالقول ، أو إلى النهى والانتهاء ، والمعنى لا تعتقدوا أيها المسمون ذلك الذى اعتقده الكفار ، ولا تقولوه كما اعتقدوه وقالوه ، ووجه التحسر اعتقاد أن الموت أو القتل بسبب تقصيرهم في المنع من السفر والغزو ، وأيضًا إذا قالوا ذلك وسمعهم قرابة المقتول تحسر هؤلاء القرابة ، وربما قاله بعض المؤمنين الضعفاء فتسمعهم الأقارب فيتحسرون ، وإذا ألقوا مثل هذه الشبهات على أقوياء المسلمين ولم يلتفتوا إليها ضاع كيدهم فتحصل لهم حسرة ، وأيضًا إذا رأوا يوم القيامة نجاة المجاهدين وفضلهم وكراماتهم على إيمانهم وجهادهم تحسروا ، وأجيز تعلق اللام بلا تكونوا ، أى لا تكونوا مثلهم في قول ذلك ، ليختصوا بالحسرة ، فتزداد شدة ، بخلاف ما لو قالوا ، ولا ضعف في ذلك وهذا كقولك ، ولا تعص بتدخل الجنة ، أى الرك العصيان لتدخلها { وَاللهُ يُحْيى } من أراد حياته ولو ضرب في الأرض أو غزا أو مرض مرضًا لا يرجى معه أو اقتحم الشدائد { وَيُمِيتُ } من أراد موته ، ولو قعد ولم يغز ولم يمرض ولم يقتحم شدة ، وروح كل حى يقبضها الله بالخلق وملك الموت بالمباشرة ، وزعمت المعتزلة أن ملك الموت يقبض أرواح الثقلين فقط ، وبعض أهل البدعة يقولون: يقبض كل حى إلا أرواح البهائم فإن أعوانه يقبضونها ، والحق أن الله يقبض الكل ، الله يتوفى الأنفس ، أى يخلق الموت ، ومعنى يتوفاكم لك الموت يباشره { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ } تهديد للذين أمنوا أن يعتقدوا أو يقولوا مثل ما قال الذين كفروا فإن الله جل وعلا بصير بذلك القول واعتقاده وما يترتب عليهما .