{ يتنازعون فيها كأسًا } يأخذ كل كل من الآخر كأسا بعد شربه كصورة التجاذب بالقهر ، أو الملاعبة ، وليس قهرا ولا ملاعبة ، ووجه هذا التجوز أن النفس تحب اللهو ، وتحب القهر ، فلهم تلذذ بهذا المحبوب دون حقيقة ، واختار بعض أن المراد تجاذب الملاعبة ، كما اعتاد بالندماء ، والكأس الاناء مع ما فيه من خمر أو غيرها ، وشهر أنه الاناء الذى امتلأ خمرا أو كاد يمتلىء ، ويسمى كأسا بلا مائع فيه ، ويسمى ما فيه كأسا مجازا لعلاقة الحالية والمحلية .
{ لا لَغْو فيها } أى في الكأس ، باعتبار شربها أى شرب ما فيها ، والذى يتنازع هو نفس الكأس لا خمرها لا بالتبع ، واللغو لا يكون داخل الاناء ، وانما المراد في شأن من أخذها شرب ما فيها ، فالمارد لا لغو في شأنها ، أو عندها ، واعتبر أن العربدة والتأثم تكون بشرب الخمر ، ففسر الكأس بنفس الخمر ، والضمير لها بمعنى الخمر ، والكأس مؤنث فيها شىء أولا ، والخمر مؤنث ، واللغو ما لا فائدة فيه من الكلام ذنبا أو غيره { ولا تأثيم } نسبة الى الاثم ، وهو الذنب بكلام يكلم به شاربها مما لا يجوز ، ولا بتحريم شربها إذ لا ذنب عليهم في شربها ، كما أن في خمر الدنيا لغوا وتأثيما واقترافا لذنب بشربها لتحريمها ، بل يتكلم أهل الجنة في حال الكأس بأحاسن الكلام ، ولا يتكلمون بكلام نسبة الغير الى الاثم ، مثل يا سارق ، أو يا زانى ، أو فلان سارق أو زانٍ ، ولا كلام يعد ذنبا كالاشراك ، فينسب اليه أنه آثم { ويَطوف } بالكأس { عَليْهم غِلمانٌ لهُم } خلقهم وملكهم الله جل وعلا ، وغلمان اليهود والنصارى وسائر المشركين والأشقياء ، فهؤلاء خدم أهل الجنة ، وأما أولادهم الذين ألحقوا بهم فهم ملوك فيها لا خدم { كأنَّهم لُؤلؤ مَكْنُونٌ } فى صدفه ، مالكه في حرز عظيم لعظم ثمنه ، قيل: يا رسول الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال A: « والذى نفسى بيده لفضله عليه كفضل البدر على سائر الكوكب » وغلمان جمع كثرة ، كما يروى أن أدنى أهل الجنة ينادى الخادم فيحضر مائة ألف بابه قائلين: لبيك لبيك ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: ما من احد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غالم كل واحد منهم على عمل غير عمل صاحبه .