فهرس الكتاب

الصفحة 2613 من 6093

{ وأَلْق ما في يَمينكَ } أى العصا كما قال في آية أخرى: { عصاك } وعبر هنا بما في يمينك تهويلا لأمرها كقوله D: { فغشيهم من اليم ما غشيهم } إذ كان لها أفعال ليست لسائر العصى ، والحاصل بنفس العصا واللفظ يختلف مراعاة لمعان موجودة فيها ، وقد أوحى إلى موسى بلغته لا بالعربية ، قلا يقال عبر باليمين تلويحًا لليمن والبركة ، ويناسب التهويل جعلها نكرة موصوفة ، ويناسب التذكير بأفعالها المعتادة من قبل جعلها اسمًا موصولا .

{ تَلْقفْ } تأخذ أخذ حذف بفمها وأنت ضميرها لأنها العصا { ما } أى الذى { صَنَعُوا } من الجبال والعصى ، وتبتلعه ولفظ { ما صنعوا } تحقير ، وزعم بعض أنه لو كان دونه الموجس خوفا من عدم إيمان الناس بالعصا لتغلب سحرهم على قلوبهم ، فقال: { وألق ما في يمينك } يظهر بطلان أمرهم وحقية أمرك ، وفيه أن هنا موجود مع الزيادة ، فى { تلقف ما صنعوا } بلا تلويح الى تعليل .

{ إنَّما صَنعُوا } صنعهم أو الذى صنعوه ، وهما أولى من أن يقال شيئًا صنعوه { كَيْد سَاحِر } ترجيح للمصدرية في ما ، وهو الوجه الأول ، لأن الكيد مصدر ، فابقاؤه على أصله أولى من إطلاقه على الحبال والعصى ، الذى في الثانى والثالث ، والمراد كيد ككيد ساحر ، من جملة السحرة مطلقا ، وسحر حقير في نفسه ، باطل بالعصا ، ووصفه بالعظم في آية أخرى إنما هو بحسب ظاهره .

{ ولا يُفْلحُ السَّاحر } جنس الساحر { حَيْث أتَى } حيث كان ، وأين قبل ، بل يفتضح ويخيب ، وعن جندب بن عبدالله البجلى ، عن رسول الله A: « إذا أخذتم الساحر فاقْتُلوه ثم قرأ { ولا يفلح الساحر حيث أتى } » قال لا يأمن حيث وجد ، والسحر علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية ، يقتدر بها عى أفعال غريبة بأسباب خفية ، والسحر منه حقيقى وغير حقيقى ، ويقال له: الآخذ بالعيون ، وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين ، ومر أنهم لطخوا الحبال والعصى بالزئبق ، وذلك من باب السيماء ، وهى علم يقتدر به على إرادة الصور الذهنية ، لكن يشترط أن يكون لها مادة في الخارج بواسطة أسماء وغيرها .

وحاصل علم السيماء إحداث مثالات خيالية ، لا وجود لها في الحس ويطلق على إيجاد تلك المثالات يصورها في الحسّ وتكون صورا في جوهر الهواء ، وهى سريعة الزوال بسبب سرعة تغير جوهره ، ولفظ سيماء معرب شيم به ، ومعناه اسم الله تعالى ، وما ذكر من سرعة الزوال غالب لا كلى { فأُلْقِى السَّحَرةُ سُجَّدًا } كأنهم طرحوا من شدة السرعة على وجوههم تائبين مؤمنين بالله وموسى وهارون ، ولم يرفعوا رءوسهم من السجود حتى رأوا منازلهم في الجنة ، ورأوا الثواب والعقاب ، والنار ، وليس هذا إلجاء الى الإيمان لأنهم آمنوا باخيتارهم ، وسجدوا قبل أن يروا ذلك ، مع أنا لا نسلم إن إرادة ذلك الجاء ، فان بعض العلماء ، وقيل السجود قالوا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت