{ اللهُ الَّذى جَعَل لَكُم الليْلَ } باغاثة الشمس { لتسْكُنوا فيه } عن الحركة الحسية كالعمل باليدين والرجلين ، والحركة المعقولة كحركة القلب ، ونظر العين ، وهو جامع ضوء البصر ، وفى النوم قطع اشتغال القلب عن العمل ، فان اشتغاله عمل منه ، وتقوى الحواس وسائر البدن بذلك السكون ، وناسبه برودة الليل غالبا .
{ والنَّهار مُبْصرًا } مصيرا للناس باصرين ، وهو متعد ، أسند الإبصار اليه لأنه ظرف النظر ، أو سبب له ، ولم يقل جعل لكم الليل مسكنا بوزن مبصرا ، ولم يقل والنهار لتبصروا فيه كما قال: { لتسكنوا فيه } فيستوى الكلام فيهما ، لأن نعمة النهار أعظم من نعمة الليل ، فبولغ فيه ، بأن جعل الابصار ساريا في أجزاء النهار كله ، فلم يقل لتبصروا فيه ، كام قال: { لتكسنوا فيه } أو لأنهما سواء فدل على فضل الليل بالتقديم ، وعلى فضل النهار بتلك المبالغة ، فلو قال: لتبصروا فيه لفاتت الفصاحة التى في الاسناد المجازى الموجود في مبصرا ، وقيل: لو قيل جعل لكم الليل مسكنا على معنى جعل لكم الليل ساكنا على معنى لا ريح فيه ، وهو حقيقة عرفية ، فيه أو مجازا بهذا المعنى ، أو مجازا باسناد السكون ، اليه ، لأنه محله ، أو سببه لم يعلم المراد الا بمقابلته بقوله: { والنهار مبصرا } أو صرح بالسكون في الليل ، لأنه مراد ، وعلة بالذات ، ورمز بالبصار في النهار ، لأن العلة ابتغاء الفضل كما في آية أخرى ، أى تستعملون أبصاركم لابتغاء الفضل ، وقيل: المراد جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه ، والنهار مبصرا لتبتغوا من فضله بالتحرك ، فحذف من كل واحد ما يناسب ما ذكر في الآخر احتباكا .
{ إنَّ الله لذُو فَضل } عظيم لا يوازيه فضل ، ولو قال أن الله متفضل لم يفهم هذا المعنى منه { على النَّاس } كلهم بصحة الأبدان ، وبالأرزاق ، وجميع مصالحهم ، الا أن المؤمن يشكر ذلك بالطاعة ، والكافر يكفرها بالمعصية ، وهو الأكثر { ولكن أكْثر النَّاس لا يَشْكُرون } الله على فضله بالايمان ، والعمل لجهلهم ، ار لاتباع الهوى ، وأظهر الناس ليدل رسوخ الكفر فيهم ، كأن علته كونهم ناسا .