{ قالَ قَرينُه } شيطانه المقرون للاغواء { ربنا ما أطغَيتُه } ما حلمته على الطغيان بالاجبار ، وهذا الكلام يستدعى أن الكافر اشتكى الى الله D بأن قرينه أضله ، وطمع أن يكون له عذر ، أو يعذب قرينه بدله ، أو يخفف عنه العذاب ، أو يكون تحته في النار أو نحو ذلك ، أو القرين كل من قرن به ويغويه من الإنس والجن ، وعن ابن عباس: القرين الملك ، يقول الكافر: ان الملك زاد علىَّ من السيئات ما لم أفعله ، فيكون معنى { ما أطغيته } ما زدت عليه ما يكون به طاغيا .
{ ولكن كان في ضلالٍ } باختياره لا بإجبار كما قال: { وما كان لى عليكم من سلطان } إلخ { بعيدٍ } راسخ شديد من جهة نفسه حتى أثر فيه أدنى وسواس ، فذلك هو البعد ، وقيل: بعيد عن الحق لم يقرب منه ، وكأنه قيل: فما قال الله D؟ فقال D:
{ قال } الله D { لا تَخْتصمُوا الدىَّ } أى عندى في موقف الحساب ، وليس ينفعكم اختصامكم ، والحال أنى قد أنذرتكم وبينت لكم في الدنيا ما قال: { وقَد قَدَّمت إليْكُم بالوعيدِ } فى كتبى ، وعلى ألسنة رسلى افعلوا كذا ، ولا تفعلوا كذا ، أو أنه من عصانى أعذبه ، وجاءكم أنى قلت لابليس: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك } والباء صلة ، والوعيد مفعول به ، أو قدمت بمعنى تقدمت ، فالباء على أصلها ، ولا يصلح أن يكون قوله تعالى:
{ ما يُبدَّلُ القَولُ لَدىَّ } مفعول به لقدَّمت إلا على أن المراد هذا اللفظ الذى هو: { ما يبدل } الخ وتقدير أنه ما يبدل ، أو تضمين قدمت معنى قلت ، والأصل خلاف ذلك كله ، فهو مستأنف في مجموع ما انسحب عليه قوله: قال ولدى متعلق بيبدل ، ولا حاجة الى تعليقه بالقول ، والقول هو قوله D: { لأملأن جهنَّم } أو الوعيد مطلقا ، أو قوله يوم خلق العباد ، هذا سعيد وهذا شقى ، أو قوله: { ألقينا في جهنم } أو مطلق الوعد والوعيد ، والمراد لا أبدل القول ، ولا يبدله غيرى لا طاقة لأحد أن يبدل ما قلت .
{ وما أنا بظلام للعَبِيد } إنما أجازكم بأعمالكم ، وقد فعلتموها باختياركم لا باجبارى ، ولو أجبرتكم عليها ، وعاقبتكم عليها ، لكنت طالما لكم ، وقوله:
{ يوم نَقُول لجهنَّم هَل امْتَلأت وتَقُول هَلْ مِنْ مَزيدٍ } متعلق بظلام ، أو بيبدل ، أو مفعول به لا ذكر أو لأنذر لأنه كما يقال أنذرهم بكذا ، يقال: أنذرهم كذا ، وقوله: « لجهنم » ايحاء اليها بملك أو بخلق كلام حيث شاء ، وقولها هو نطق باذن الله يخلق فيها عقلا ونطقا ، وقد تعبدنا باتباع الظواهر كما في قول جهنم ما لم يمنع مانع ، كما في قول الله ، فانه منزه عن التلفظ ، ومن تمييز النار وعقلها ، وتميز الجنة وعقلها تحتاجهما تقول النار مفتخرة: انه وضع فيها المتكبرون ، وتقول الجنة: مالى لا يدخلنى الا الضعفاء؟ فيقول الله D للنار: أنت عذابى ، وللجنة: أنت رحمتى ، ولعل الحديث موضوع ، وكيف تفتخر النار بالعصاة ، وكيف يهون على الجنة من يدخلها ، وان لم يكن موضوعا فالمراد التمثيل والبيان ، فلا نطق ولا محاجر ، ولا حاجة إلى قول بعض يوم نقول لخزنة جهنَّم هل امتلأت جهنم ، تقول هى اى خزنتها: هل من مزيد ، ومن صلة لتاكيد العموم ، ومزيد مبتدأ خبره محذوف ، أى عندك أولى ، سواء جعلناه مصدرا ميميًّا بمعنى الزيادة ، أو اسم مفعول أى مزيود ، ثقلت الضمة على الياء فحذفت وقلبت الواو يا لكسر محدث قبلها ، وحذفت الياء الأولى أو الثانية للساكن .