{ وفى السَّماءِ رزقُكم ومَا تُوعَدون } فى جهة العلو الشاملة للسحاب ، والسماء الدينا وما فوقها ، واللوح المحفوظ ، والمراد تقدير رزقكم وأسبابه من القمرين والنجوم ، والمطلع والمغارب التى تحصل بها الفصول التى هى مبادىء الرزق ، وذلك على تقدير الاضافة كما رأيت ، أو على جعل وجود الأسباب فيها وجودا للمسبب ، وعطف ما توعدون عام على خاص ، فانه كل ما قضى الله تعالى من كل خير وشر ، والثواب والعقاب ، وقيل: السماء السحاب ، والرزق المطر ، وما توعدون الجنة والنار ، زعم بعكن أن النار في السماء ، وقيل: المراد الجنة فوق السماء السابعة تحت العرش ، وقيل: أمر الساعة ، وقيل: الثواب والعقاب ، لأنهما معينان فيها ، وقيل: ما مبتدأ موصولة خبرها هو قوله:
{ فَوربِّ السَّماءِ والأرض إنَّه لحقٌّ } وهاء انه عائد اليها ، والصحيح ما مر من عطف العام على الخاص ، والهاء لما أو للرزق أو لله تعالى ، أو لرسول الله A ، أو للقرآن لدلالة المقام ، أو للدين فى { إن الدين لواقع } أو لليوم فى { أيان يوم الدين } أو ما ذكر من أول السورة { مِثل ما أنَّكم تَنْطقُونَ } ما صلة كما قال الخليل ، ومثل مفعول مطلق أى حق ذلك حقا مثل نطقكم ، كما لا شك في نطقكم الواقع ، أو في قدرتكم على النطق لا شك في ذلكن نقول: هذا حق ، كما أنك ترى وتسمع أو حال واضافته للمصدر المعرف لا تفيد تعريفا ، وصاحب الحال الضمير في حق .
وإن جعلنا ما نكرة موصوفة ، والمصدر مما بعدها خبر لمحذوف ، والجملة نعت ما ، فمثل مضاف لنكرة ، أى مثل شىء هو نطقكم ، أو مثل نطق هو نطقكم ، أى لا شك في ذلك كما لا شك في أنكم تنطقون ، أو كما أنك تنطق بلسانك لا بلسان غيرك ، كذلك تأكل رزقك لا رزق غيرك ، والواو للقسم ، قال رسول الله A: « قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوه » .
أقبل الأصمعى من جامع البصرة فلقى أعرابيا على ناقة فقال: ممن؟ فقال: من بنى أصمع ، قال من أين؟ قال من موضع يتلى فيه كلام الله ، قال: اتل علىَّ ، فتلا: « والذاريات » الى « رزقكم » فنحرها وقسمها ، وكسر سيفه وقوسه ، وحج الأصمعى مع الرشيد ، وسمع في طوافه بصوت رقق ، فاذا الأعرابى ناحلا مصفرا ، وسلم واستقرأه السورة ، فلما قرأ الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، وصاح وقال ثلاثا: من أغضب ربنا حتى حلف ، ومات في حينه .
وسلى الله تعالى رسول A ، وهدد قومه بقصة ابراهيم ولوط على جهة التعظيم لها ، بالتمهيد لها ، كالتبويب لشىء عظيم فقال:
{ هَل أتاك حَديثَ ضيْف إبرْاهيم المُكْرمين } عند الله D: وعند ابراهيم ، كما قال في شأن الملائكة: